نص نقذفه في وجه بلال نزار ريان، ابن حركة حماس في الواقع الحقيقي والعالم الافتراضي

30/04/2014

نقلل من شأن مهمّته تحت عنوان “التصدي بخفّة” إذا اعتبرناه مجرّد ناشط حركة حماس الأول على مواقع التواصل الاجتماعي. لذلك فإن اكتفاءنا بتشريح معنى البساطة عنده، وحده سيؤكد أن في وجه بلال المتدين البشوش تكمن معضلتنا التي يُلاحظ تفشّيها في بلال حين يقفز الشاب الإسلامي عن بكرة أبيه عند كل التفاصيل ليرمي شاباً يساري الفكر والممارسة بسهم قريش المغنوم، محمَلاً بكلمات الأخوين رحباني “لا انت حبيبي ولا ربينا سوا”! يجوز أن نرسم نصف علامة التعجّب وننكسر على عتبة نصفها الآخر من الغل، ثم نرخي ابتسامتنا على مهل، على أن نبصق فجأة ونحن نتذكر 8 سنوات مرّت على غزة محكومة بقوة السلاح، وفعلاً لا إنت حبيبي ولا ربينا سوا! ببساطة يريد بلال ما بعد بعد النص أن يلمّح ويشتبك بكل خفّة من دون أن يسبب الازعاج على مواقع التواصل الاجتماعي، تماماً كما كانت حركته “حماس” توزّع الكابونات على الناس تحت جنح الظلام قبل انتخابات عام ٢٠٠٦ التي فازت بها، ومذّاك حتى هذا الشهر لعام ٢٠١٤ نكتب للتاريخ أن المجموع الشعبي في غزة فشل بكل الطرق التي لم يجرّب حتى واحدة منها بشكل جدّي في اسقاط حماس لصالح حريته لا لصالح حركة فتح والرعيّة.

نعترف بأن مواقع التواصل الإجتماعي وقبل أن تنتبه إليها حركة حماس، كانت مسلّية ولا تزال، ولكن منذ أن بدأت غزة الشعور بالضجر وصولاً إلى تمدّد الأمل مع اندلاع الثورات الشعبية العربية، صار علينا أن نتابع بعدها 2012-2013 انكماش حماس ثم بدء تسلّلها لتطبيق خطتها الأمنية من أجل تفتيت المحاولات الجرئية لتعرية حماس في الفضاء الالكتروني بقليل من الأرقام والصور، في الوقت الذي ارتأت حركة فتح أن تستمر في البحث عن شعارات قديمة لم يتم ضخها للجمهور، على اعتبار أنها لا تملك سوى الشعاراتية لمصارحة الشعب ومواجهة أي فصيل فلسطيني آخر.
حتى نقارب المسائل أكثر، إن كل ما يريده أبناء الحركة الإسلامية من المجموع الشعبي الفلسطيني، هو الانصياع لفكرة الخلاص (الانقاذ ودرء الخطر)، فمثلاً تحت عنوان درء المخاطر وإنقاذ أرواح الناس يتم التحكّم “بمتى نقاتل إسرائيل؟”. هذه العملية رُسم لها كي تُدار من منبر حماس الأول “خطبة الجمعة لاسماعيل هنية” ويساعده في ذلك باقي خطباء المساجد التابعين لحماس، بينما يقوم الشباب الإسلامي “الكول” برصد ومتابعة كل مبادرة وشخص فاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، والانتشار من أجل اللعب مع الجميع بكل حب وغزل الصيّاد لفريسته. ولهذا السبب، قليلون هم الذين يدركون أن في فلك وروح الكلمات على صفحات الإسلاميين على شبكة الانترنت ملاحم ثقافية وسياسية واجتماعية، قد تكون غير مرئيّة ولكنها مُتعبة تماماً كالدودة حين تلف في المخ بسرعة قطار.

للحركات الإسلامية وتحديداً حماس، طريقتها في فهم وتحليل مدى تأثير أي شخصيّة فاعلة في المجتمع، وحسب النتائج تلجأ إليها وتتظاهر الاصطفاف بجانبها، تداعبها على اعتبار أنها مستعدّة لقبول بزّازة حماس، غير أنها تذهب للأشخاص الأكثر صعوبة، تجرّب تمارينها، وهي على يقين أنها ستفشل في كثير من الأحيان، ولكنها تستمر حتى تكاد تحس في نموذج بلال ريان بكامل هدوءه، يلعب دور حليمة السعدية وهي تشفق على أنبياء غزة وفقراءها.
ضمن هذا السياق لا يمكن مثلاً سؤال بلال ريان إن كان منحازاً لعامّة الشعب مجرداً من دون حماس، أو التعامل معه كناشط شبابي ونقطة، ذلك لأن شاباً يتم دعوته بشكل خاص من قبل حكومة اسماعيل هنية لحضور جلسات المصالحة يؤكد بالضرورة أننا أمام شخصيّة تحظى بمكانة خاصة داخل حماس تمتد أكثر من كونها “ناشط شبابي”. يتضح من التفاصيل التي حصلت عليها أن جزءاً أصيلا من عمل هذا الشاب استخدام خطاب اسلامي دعوي “رومانسي” دقيق يكفي بأريحيّة للاطاحة بكل العاديين في مستنقع الجهل المقدس في القرن الواحد وعشرين، وأما الجزء الآخر من جهده المبذول غير المعلن والواضح تماماً بالنسبة لمن تواصلت معهم وقد رشق بلال نصوصهم بتعليقات مهذبّة، فيشير إلى محاولة دفع الجميع وبطريقة لطيفة مدروسة تحت إلحاح الادراك العاطفي للقول “والله الإسلاميين منفتحين وأحلى ناس”.

يا إنسان، لا يشتبك الإسلاميون مع العاديين، هم فقط يتجهون نحو الحوار مع كل شاب لديه وعي سياسي ووفرة في المعلومات وقدرة على التحليل العميق وتقديم نص يليق بوجه فلسطين العام الذي تم تلطيخه بخراب رجال الأحزاب الفلسطينية في السنوات الأخيرة تحديداً. جُل هؤلاء الأحرار الذين يتم مراقبتهم وبدورهم يتخطون مخاوفهم ببصيرة نافذة هم غالباً ممن يجتهدون بشكل فردي، ويسعون ربما لتقويض الوطنية الحزبية، أما أبناء الفصائل وأولهم أبناء حركة فتح الميامين، فحدّث ولا حرج، إذ أن مجرد الحديث عبر الفيسبوك مع بلال ريان بالنسبة لكثير منهم ذروة النشوة أو كنز عظيم.
ورغم كل هذا، لا يزال يعجبني جداً هذا الفلسطيني الذي يعتبر أي حزب سياسي هو مجرد حمار يركبه الشعب وينزل عنه متى شاء، مع التأكيد والإصرار على أن الفلسطيني الذي يعمل داخل المنظومة الحزبية ولا يخدم ولا ينفذ إلا أجندتها وهي ربّه ورسوله، هو بالضرورة ضمن دائرة الحمير التي يركبها الشعب برمته، ويُعرف اشتهارنا بكثرة الحمير وقلة الشعب.

غزة خارج الإحداثية

26/08/2013

ما فعل التمني بغزة

ما فعل التمني بغزة


هذا تمرين للتعرف على آخر حالة غثاء فلسطيني، عن رتابة التقاير الصحافية، تكرار البيانات، كذب كل السلطات، الوطنية في رام الله والإسلامية في غزة بمعاونة السلطة الرابعة، ليس التالي كما سيخمّن بعض المسكونين بهواجس التحليل قولاً إنه أو بعضه مثلاً نص وجداني، إطلاقاً، وهو ليس افتراضاً أيضاً، هذا فقط ما بدا لي كما بدا مثلاً لعمرو عزت في مصر، إنه تغريد خارج إحداثيات الوطن، ولفرط حساسيتي وعلمي المسبق عن شراهتكم في التوبيخ، أشير إلى أن هذه ليست عظة وإنما قليل من عارنا جميعاً، فتمهل على طريقي: أمامك عارك.

الذي تراءى أن جُلّ الجمهور الفلسطيني بكل ما يرجوه، ويشرحه كطفل سئم التأتأة، يعيش خارج إحداثيات الشرق الأوسط والتاريخ، مجتمع محبوس في قفص التمنّي، تمني المزيد من الصمود والكابونات، خروج كافة الأسرى، نجاح المفاوضات، استلام الراتب قبل نهاية الشهر، فتح معبر رفح، وهكذا ظل المجتمع يتمنى إلى أن أرهقه التّمني، وأعجزه التّرجي، ومع هذا اضمحلت ثقافته، قُل ماتت، ورُوّضت انتفاضاته. كم مرّة طالعنا خبر “اندلاع انتفاضة ثالثة” في الشهور بل السنوات الأخيرة، رُب قائل لا حاجة للحجر، صار عندنا “صاروخ”، هذا صحيح ولا أشك أن محمد عساف ذو صوت جميل، ولكنّ إرهاق بل ضَجر الناس من كثرة التمني والترجي، وفشلهم في أن يصير لهم كيان، كان عاملاً مساعداً دفعهم للشغف الزائد عن الحد بهذا الشاب، صار للاجئين سفير، يستدعي هنا السؤال دون الحاجة لإجابة، هَلْ صيرورة اللجوء إلى عدمه يحله سفير؟ هل يحتاج الفلسطيني لمن يؤكد لجوءه أم ينهيه؟ وكيف ينهيه؟ بقليل من الكابونات وتعزيز رسملة كيان اللجوء بجهود عساف مع الأونروا؟ البدائل أصعب، ولكن نتائجها حتماً أسرع. هل جرّبت مرّة أن تتأمل كلمتي “سفير ولاجئ”؟ هل يظل السفير يحمل صفة اللجوء إذا صار سفيراً بنيّة كانت أو مجموعة نوايا؟ يشرح أمين معلوف في الهويات القاتلة، فيقول: “إن كلاً منا مؤتمن على إرثين، أحدهما “عمودي” يأتيه من أسلافه و”تقاليد شعبه” وجماعته الدينية. والآخر “أفقي” يأتيه من عصره ومعاصريه. ويبدو لي أن هذا الأخير أكثر حسماً وأهميته تتصاعد يومياً”. استغرقت إعمالا لذلك وتأكد لي أن فلسطين أضحت بحجم النكتة التي لا يضحك عليها أحد.

خذ مثالاً على برنامج التمني والانشغال الفلسطيني اليومي. حديث صاخب حول مصر، يقابله في مخيلتي صور الناس على معبر رفح في فترة “حكم مبارك ثم مرسي وفي زمن الرئيس القادم بلا شك”. في جغرافيا معبر رفح الضيّقة يرتجف الناس كأنه يوم الحشر، يفكرون في ما ستعرضه الحواسيب عن تفاصيل حياتهم، لا يعرفون حقهم في مغادرة وطنهم والعودة إليه. في الدول الحرّة لا يُحشر المسافرون في الباصات كالحيوانات في حلاّباتها، لأنهم ببساطة يرفضون، ولأن الحضارة لا تعرف الجغرافيا! لهذا الذّل كله يستعجل الفلسطيني الكتابة عن كل تفصيل في مصر، ويظل يتمنى ويرجو، لا ينفك عن استجداء حقه.

وسط زحمة التمني، اقرأ، وقد تكون قرأت دون أن تكترث لأحد المدججين بكلام، نقتبس هنا، شطره الأول مقبولاً والثاني مخادعاً، إذ يقول “أن سيناء تتحول إلى وكر للإرهاب ومقبرة للقضية الفلسطينية” ناسياً وهو مسؤول في حركة فتح، التذكير بمقبرة أوسلو الأولى، والمفاضلة بين المقابر الطافحة في المنطقة نتركها لعلماء الآثار.

إن أردت واقعاً غير هذا الحنظل المُسْهِل، فالفلسطيني استنجد بمصر، ولا عجب إن كانت شفرتها جرحته أكثر من شفرة الحلاقة، فكلاهما من تهريب الأنفاق. وإن أردت الخيال المكتنز بالحنين، فهذا المجتمع كان يحفظ حباً خالصاً للنيل وعصير القصب وقهاوي مصر العتيقة، ولا زال، ولكني أراهن على هذا الحب إن لم يكن ملتصقاً وجدانياً بصورة الحشر في معبر رفح والترحيل في مطار القاهرة، أي (بعرض الله بنحبكوا بس افتحوا معبر رفح). بدأ ذلك منذ أن صار للفلسطيني معبر، بفعل اتفاقية “أوسلو” وهو يقايض ما يَكنّه لمصر بقليل من الكرامة على هذا المعبر، أو مجرد غمزة أو “تزبيطة” من رجل أمن. يتمنى الأسير لقاعة المغادرين مجرّد “ابتسامة”، ولو استجوبت من في القاعة، حول ما يتمناه الواحد فيهم، لقال: أن اسمع اسمي، كأنه سيسمعه لأول مرّة في حياته، اسمه هذا مرهون بحريته، “ادخل مصر”.

متى يرتقي الفلسطيني نصف درجة، أي من التمني يصعد للحسرة، يتحسر ليستعيد فعاليته حاضراً، لا ليتمنى فقط مستقبلاً، ولذلك، فإن استعادة فعالية المجتمع تقتضي أن يشحن الفلسطيني نفسه، بناءً على جدول الكهرباء. ولو كنت تنتظر مصر وخير أجنادها أن يهزموا إسرائيل، فعليك حين البكاء استخدام ورق محارم صناعة مصرية لدعم الاقتصاد هناك، فمصر تستعر فيها المناكفات من أجل ما يدّعيه كل طرف أنه حقه. يبحث المصريون عن حريتهم وحقوقهم ومصالحهم وهو ديدنهم، ما سئموا من ذلك، ويطلب الفلسطينيون دائماً أن “يسترها الله” سواء على الظلم الذي كان في مصر أو التطرف الذي صار فيها وفي غزة معها، وكله تحت شعار “بنحبك يا مصر”، فعلاً هذا يؤكد حاجة قطاع غزة لجيل الصدمة أكثر من حاجته للسولار المصري المهرّب، ولكن لن يحدث، سلوا قلبي، كأن أحمد شوقي كتبها الآن “وما نيل المطالب بالتمني”.

إغراء فلسطين بحالها

14/02/2013
سوق على الدولة

سوق على الدولة

لا أنصح كل من غصّه حزب سياسي فلسطيني بقراءة هذا المقال، ولا أراه صالحاً لمن يحملون أرطالاً زائدة من الوطنية الفذّة، أو إذا كنت مثلاً مع مصلحة فلسطين، فلا يُنصح بالمتابعة، مكتوب هذا لمن يتجلّى على التفاصيل، وتجرّد من الحزبيّة وعددهم مجهول، والمجهول قد لا يكون له وجود أصلاً.
هكذا عندما تتكلم عن فلسطين، يبدو أنك تحتاج إلى جَبْل الكلمات ببعض، كي لا تخرج بنص ثورجي وطني أو آخر منفلت قد يصنّف صهيوني، ومع ذلك فلن تنتهي دائماً إلى نص مهذّب، فعملياً الفلسطيني لم يواجه الفوضى، ولم يبحث عن العلل، هو ينجذب للعشوائيات أسرع من التصاق المغناطيس ببرادة الحديد، لذلك فإن إسقاط نظريات علم النفس الاجتماعي على الحالة الفلسطينية، حتماً سيعطي نتائج غير طبيعيّة، أتحدث هنا عن البلادة كميكانزم للدفاع عن الذات وصوابية القرارات والأفعال الفرديّة والجماعيّة، بعد أن غدا جهد الفلسطيني متمركز حول مهمّة واحدة، هي المحافظة على المال السياسي الذي يهون بعده كل شيئ، يهون الكذب، والنفاق، يهون الدفاع عن فلسطين، وأعطني راتبي أطلّق لك حناجري، وإذا هتف الفلسطيني لكل الفصائل في آن واحد، فليس من باب الوحدة الوطنيّة ورصف الأشياء، أكثر منه للحاجة، هو يعتبر ذلك ذكاءاً، وأعتبره خبثاً لولاه ما كتبنا ولا علّقنا.

هذه مقدمة ربما تكون نافعة لأتحدث بعدها عن التكتليّة التي لم تكن هي الأداة الوحيدة الفاعلة في التعبئة لدى حركة فتح وشبيبتها، بل أُعلن عن تشييد المال السياسي كصراط فتحاوي مستقيم، أو نهج أبدي أقرب إلى الغاية منه إلى الوسيلة، فبدا التحوّل كمن يضع العربة أمام الحمار راجياً منه السير.
هذا صحيح، حركة فتح لم تكن فقيرة على الإطلاق، ويمكنك من خلال قراءة أعداد موظفيها وأعمارهم، أن تعرف بأن غناها كان أداة هامة في استمالة طاقات الشباب، وازداد ثراءها بعد اتفاق أوسلو بفضل المال الدولي الجاري في نهر السلطة الوطنية، هذا المال كرّس لدى أنصار فتح مسألة الحق في مكافأة مالية بعد سنوات من مناكفة إسرائيل ودليل ذلك، صورة بالجاليلو مع بوت الفورزا، لا زلت معلقة في صدر الدار، تُذكّر كل زائر للبيت الفتحاوي بالأيام الخوالي، صورة نمطيّة مستمرّة إلى يومنا هذا، جرّب وتحدث مع فتحاوي، سيُخيل إليك ثائراً شقياً، كبانشو فيلا كامناً لآلاف الجنود في الأحراش.

تسأل مناصراً لحركة فتح حول المسألة الفلسطينية، خلاصة حديثه: “فتح أول كل شيئ، الرصاصة والحجر والباقي، لذلك واجبنا أن نرتاح، ونحمي شعبنا، ونوفر له الأمن”، جملة “شاركنا في الكفاح المسلح” غالباً ما يتبعها جملة شرطية استنتاجية هي “من حقنا الحصول على مكافأة”، رغم أن ابن العشرين الذي يطالب بحقه باسم مشاركته في “الكفاح المسلح”، كان في مهده عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، بعضهم لم يكن مولوداً أصلاً، والذي شهد اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، كان على شفا مراهقته في صفوف الشرطة، فلا تعرف أي كفاح مسلح المقصود.

وزد على ذلك، أن أنصار الأحزاب الفلسطينية مُدرجون في قوائم كاملة، يتم ضبط مسائلهم “بالمساعدات”، فأن يقدم الحزب كابونة زيت وفاصولياء، غير أن يقدم وظيفة براتب شهري، وهذا ما يجعل الأحزاب توّاقة دائماً لقياس نسبة الإستمالة لدى الناس، بعد كل توزيعة مساعدات، يسميها الفلسطينيون “كابونة”، متعلقون بها إلى حد بعيد، بهذه الطريقة يتحكّم الحزب في حجم ونوعية “الكابونات” التي يتم ضخها في المخيمات، المثال الأقرب حول طبيعة المنافسة بين الأحزاب الفلسطينية لتأطير الناس واستقطابهم، كان في مرحلة السبعينات التي شهدت نشاطاً يسارياً على المستوى الثقافي والإجتماعي وحتى العسكري، هذا الصعود سبّب غيرة لدى منتسبي حركة فتح، على إثر ذلك تأسست لجان الشبيبة للعمل الإجتماعي، المعروفة حالياً باسم “الشبيبة الفتحاوية” هذه حاولت تعويض تخلّف فتح في مواجهة اليسار الفلسطيني، فاشتغلت على تقديم المساعدات والنشاطات الجماعيّة، بدل أن تهتم بالتدريس الأيديولوجي، لتناطح رأس اليسار المكتنزة بأشياء كثيرة، ولكنها رغم ما سبق، تغلغلت بسرعة وسط الجماهير، وتنوعت المساعدات حتى صار لفتح سلطة وطنية، وأصبح لا شيئ يضاهي إدراج اسم مواطن في كشف دورة عسكرية، أو تدبير تفريغ أمني له على أحد الوزارات، مساعدة كهذه كانت بحاجة لصاحب نفوذ في السلطة، وهي بالنسبة للمواطن تأمين لمستقبله، وجيد جداً القول بأن الجبهة الشعبية لم تصبر على دوام فقر أبناءها فكسرت الجرة.
لا تعتقد أيها القارئ ، بل تأكد أن ياسر عرفات وأعوانه ارتاحوا بعد ابتلاعهم تدريجياً أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وهضمهم في أجهزة الأمن، أصاب عرفات الهدف، ونجح في إبعاد جيل كامل عن دائرة الاهتمام بعنوان “التحرّر الوطني والقتال ضد إسرائيل”، تحوّل الجميع إلى شرطة ومخبرين تابعين للسلطة الوطنية، تحت إطار امتداد التبعية للقادة، وضبط كافة المسائل، وخاصة العسكرية منها، وإن كان توزيع الأدوار انتقائي إلى حد بعيد، فمناصب الوافدين ومراكز نفوذهم ليست عاديّة على اعتبار أنهم قادة تحرير وطني واستقلال ذاتي، اقتصادياً، امتلك هؤلاء رؤوس الأموال، وأوراق اللعب في التجارة مع إسرائيل بعد أن تأسست السلطة الوطنية.

في أواخر التسعين، انتقل أبناء حركة فتح إلى مرحلة الصفقات الكبيرة، وتحديداً “بعد قدوم السلطة بأربع سنوات”، حيث أصيب سكان غزة من منتسبي الأجهزة الأمنية بعدوى التجارة، بنظرهم إلى حال الوافدين وأيديهم الطائلة، وبالغيرة مع قليل من العلاقات العامة، أصبح لعدد منهم أنشطة اقتصادية، فكان العسكري صباحاً في مركز الشرطة، يمارس عمله كملازم ثان في المخابرات العسكرية، وفي المساء يدير محلاً للعطور والملابس الحريمي، وبهذه الطريقة، بدأ واستمر عقد الصفقات الكبيرة بين فلسطينيي الداخل والخارج، وحّدهم وجمع شملهم “البزنس” أكثر فأكثر.

في المحصلة، استجاب الكل لإغراء السلطة، وبعد أن كان الفلسطيني دائم النزاع مع أقرانه على القدرات الأمنية، وتبني الأعمال “النضالية” الفردية ضد إسرائيل، صار التشاجر والجدل حول الرتبة العسكرية وأحقيتها، والترقيات والعلاوات الإجتماعية، وقد تصدّرت هذه الإشكاليات المشهد الفلسطيني، كنت ترى شرطياً محتجزاً على خلفية تطاوله على ضابط في وزارة الداخلية، والسبب مناكفة حول استحقاقه رتبة عسكرية أخرى، سيزداد على إثرها الراتب الشهري، ويشار هنا أن دمج الفلسطيني الوافد مع أولاد المخيمات أثار صدامات كثيرة، ففي جو من عدم التفاهم، يتعاير الطرفان، ويريد كل واحد أن يُحترم حسب مكانته السياسية، وحجم عائلته، وماضيه النضالي.

أسلوب الحكم الذي اتبعته حركة فتح أثار سخط الأحزاب الفلسطينية الأخرى، بسبب التوزيع المالي ومراكز النفوذ، ولكن كان يرضي هذه الأحزاب تفريغ قائمة من شبانهم في دورة عسكرية، ويقابل ذلك دعوات أمهاتهم لرئيس السلطة بالانتصار على إسرائيل! أما الذي لم يتخلى من حركة حماس والجهاد الإسلامي عن مناكفة إسرائيل، فسرعان ما لجأ للسلاح، وشن العمليات في الداخل الإسرائيلي، كان ذلك قبل أن تقرر إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري، حينما كانت ترد بفرض حصار إقتصادي، فيتوقف العمال عن الذّهاب للعمل داخل ما يعرف بالخط الأخضر، ويبدأ وخز قيادات السلطة لكل من منحته راتب شهري، للوقوف والتصدي لأتباع الحركات الإسلامية، على اعتبار أنهم مسؤولون عن تعطيل العمال تحت شعار “العبثية” الذي يكرره محمود عباس في خطاباته، من هنا بدأت الأفعال النديّة والصراع المجتمعي والحزبي الذي كان يعرف مفاتيحه ويسيطر عليه ياسر عرفات من خلال المال، وبالشعارات الوطنية (مقال سابق عن عرفات)، ولهذا السبب يترحّم عليه كل فلسطيني عند الحديث عن الوحدة الوطنية، دون النظر لتفاصيل وجذور المشكلة ليكتشف الجميع أن عرفات مؤسسها، بغض النظر إن كان أحدكم يفكّر بعرفات كنبي آخر من أنبياء القرن العشرين الجدد.

في الفترة ما بين اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، وسيطرة حماس على السلطة بغزة عام 2006، تلاشى الإحساس بالمنطق الوطني لدى أبناء الأجهزة الأمنية، وحَدَثَ على سبيل المثال، أن قام جندي في الأمن الوطني بتناول نصف ملعقة ملح في أحد مواقع الأمن، كي يرتفع ضغطه، ويحصل بعدها على إجازة لأسبوع كامل، أو كما قال لي آخر “أذهب لموقع الأمن كي أشرب إبريق الشاي، وآخر الشهر أكافئ عليه براتب، أليس في البيت شاي أيضاً!”.

النتيجة أن فراغ ميزانيّة السلطة، يسبب حساسيّة عالية لدى جيل الرواتب، وقد يصل الأمر حد تقلب مزاج أحدهم، واعتداءه على زوجته أو أحد أبناءه، إذا ما تأخر راتبه، وحدث أن طلق شاب في أحد محاكم غزة زوجته بسبب تأخر راتبه وتراكم ديونه، بعد أن قرر الزواج بناءً على وظيفته في الشرطة وراتبه الشهري، هذه خلاصة طموح السلطة الفلسطينية وفق مشروع أوسلو، وقبلات ياسر عرفات، المشروع الذي صار لاحقاً “دولة” تعيش أزمة رواتب منذ 6 سنوات.
لهذا السبب فضّل عدد كبير من منتسبي الأجهزة الأمنية، مؤخراً هجرتهم وبقائهم في أوروبا على عودتهم لتقاضي راتبهم الشهري، ورحّبوا بفصلهم من وظائفهم على اعتبار أن الراتب غير مضمون على المدى البعيد.

همّش طابع حركة فتح الإصطفائي شرائح واسعة في المجتمع، فلم يكن عينها على العائلات التي ينام كل أفرادها في غرفة واحدة، تفتقد لأدنى الشروط الصحيّة، ولم تقبل في أجهزتها الأمنية هؤلاء المقيمين في مساكن سقوفها من الصاج والأسبست، فكان الممسك بالسلطة يحابي العلاقات الشخصية، وظل المحروم يربط وضعه الإقتصادي اليتيم بوصفه خاضعاً للإحتلال، في محاولة للترفّع عن حجم ومكانة عائلته في المجتمع.

ظلت رؤية الناس هكذا تنحدر أكثر باتجاه تحويل علاقتهم مع أحزابهم إلى مسألة تجارية، دائماً يُستثنى منها أبناء الطبقات الفقيرة، هؤلاء الذين تم إقصائهم ورفضتهم حركة فتح، رحّبت بهم حماس فور بسط سيطرتها على قطاع غزة، حينما بدأت تؤسس أجهزتها الشرطية، وكانت بحاجة إلى أفراد أمن يتصدّرون المشهد كبديل عن كتائب عز الدين القسام، الذراع المسلح لحركة حماس، فتولّد لدى هذه الشريحة التي همشتها حركة فتح، رغبة بالانتقام، عززها استقوائهم بالجناح المسلح لحماس، لهذا السبب يتضح ولاءهم وطاعتهم لها، وهكذا يتطور الكيان الإجتماعي الفلسطيني، من فتح إلى حماس.

ازدواجية اللغة ونقد ابن نبي

28/01/2013
فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

نعم سينتهي احتلال إسرائيل، وتصير اللغة السائدة في فلسطين هي العبرية، أقول لك صباح الخير تقول لي “بوكر توف”. لن نكون أكثر وعياً ونخبوية من الجزائر، عادوا وتشبثوا بالأندلسي النموذجي، وأرجعوا المندولين والكمان وآلة القانون، هذا صحيح، لكن أشياء أخرى بقيت على حالها بعد الإستعمار، اللغة الفرنسية مثلاً بقيت مهيمنة، يتكلم بها نصف السكان رغم نضال “بن باديس” رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر، ولست أتفق مع نضاله آنذاك تحت شعار: “الإسلام ديننا – والعربية لغتنا – والجزائر وطننا – ضد الفرنسة والتنصير – والاندماج والتجنيس”.
فالإسلام ليس طابو مملوكاً للجزائر وابن باديسها، ولا العربية حكراً على المسلمين من العرب، أو كما كذب كثيرون قولاً فخصصوها لغةً لأهل الجنة، فقد تجد واحداً يهوى الغناء العربي الكلاسيكي، وقرر اتقان العربية، كالصديق البرازيلي “فيليب فيريرا”، وآخر مهتم باللغات وتاريخها، لذا فازدواجية اللغة ليست وزراً سيُدخل صاحبه النار، وازدواج اللغة لا يعني الاستيلاء وبالضرورة إسقاط لغة وإعلاء أخرى، وأكثر من ازدواجية اللغة والتجنيس والإنسلاخ، أنا مع اللاجغرافيا، وذلك مستحيل عملياً، ولكني أعتقد القول: فلان من “جغرافيا الجزائر”، لا “وطنه الجزائر”، وليس حدوده شمالاً البحر المتوسط، فليس البحر حدود، هو بحر، طبيعة وجغرافيا، وذلك من منطق الكزموبوليتانية في الجغرافيا البشرية.

قد لا نكون مع الازدواجية من منطلق “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”، ولكن من زاوية دراسة وفهم اللغات كعلوم، حيث وراء كل لغة حضارة، وهو ما أكده مالك بن نبي حين اعتبر مثالاً أن دراسة الأزهري علي عبد الرازق في جامعة أكسفورد البريطانية، لم تحرره من الكلاسيكية المزيفة بعد الموحدين، بل تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي، وأشار أن الإنشقاق الذي أدخلته ازدواجية اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي، ليس فقط ذات طابع جمالي إنما هو ذو طابع فلسفي وأخلاقي.
مرحباً بازدواجية اللغة، إذا كانت تُحدث انشقاقات “فلسفية” ستخلق نشاطاً إنسانياً إيجابياً، وفضاءً معرفياً، وأما “الأخلاق” فلا أدرِ كيف يمكن أن تسبب لغة أخرى، انشقاقاً أخلاقياً، أنت عندما تتعلم لغة ما، وتجرف معها ثقافة أفرادها، فهذا ليس فيه انشقاق بل لجوء ورغبة في الأشياء، هذا لا يحدث دون الشغف كقوة خفية تبني شخصيات إنسانية تمتلك أدواتها، وقادرة على رفع مستوى الثقافة والعلم.

مثال آخر لابن نبي، يتحدث فيه عن ازدواجية اللغة، يصفها بالديناميت الذي قُذف في المجتمع الجزائري، وأحدث انشقاقاً، فيقول أن ذلك أظهر جماعتان من النخبة، واحدة تتكلم العربية وتحاول استرداد الأصول الإسلامية بزعامة بن باديس، وجماعة تتكلم الفرنسية مثل البربرية والتقدمية والوجودية والماركسية، وتحاول أن تخدم سماتها ونفسها “يقصد أنها لا تخدم الدين الإسلامي كجماعة بن باديس”، ويخلص بعدها إلى نتيجة أن الجماعة التي تتكلم العربية بقيادة “بن باديس” لم تنجح في إرساء اتصال بين الروح الجزائرية، والتقاليد الأصلية للسلف الصالح “لاحظ معي موقع كلمة روح مع جزائرية، وكلمة تقاليد مع السلف الصالح”، وأن الجماعة الثانية التي تتكلم اللغة الفرنسية بقيادة التقدميين والماركسيين لم تستطع إرساء اتصال مع حضارةٍ، لعدم فهمهم لروحها العملية.
يؤكد ابن نبي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو هكذا أفهم منه، أن امتلاك أي لغة ثانية، لا يعني ديناميت وانشقاقات، بل اللعب في عداد دين الدولة، والانقضاض على حضارتها، وتفسخ مكونها الإجتماعي، وأن من يرغب بتعلم لغة أخرى، فليتصل مع الروح العملية للدول المعنيّة كي يصل إلى الأفكار الفعالة.

من نافل القول أن الاهتمام بنتائج ظاهرة ازدواجية اللغة، مختلف تماماً عن دراسة دوافع الإقبال عليها، ومسبباتها التي هي أصل المسألة، غير أنه صار بإمكان كل من يدخل دولة أو يتكلم مع أناسها، أن يرى وجهها التقليدي التاريخي، وما المانع وأين القبح والإنشقاق في أن يلحظ إلمام بل وتعلق أهلها بلغات وحضارات وثقافات الغير؟ أنت حين تدخل لندن، ترى في مطار هيثرو ضابط الجوازات يلبس عمامته التقليدية السيخية، مزدوج اللغة والثقافة، عمله في وزارة الداخلية أحد أبرز مؤسسات المملكة، وتصل وسط لندن فتسمع عشرات اللغات، وترى من كل الثقافات، تتكلم مع الغجري والبولندي والجورجي والكردي والأفريقي، وتنصرف قائلاً “رأيت لندن”، فقد تأملت سائحاً ملحداً وآخر متديناً في ساحة وست منستر خارج مبنى البرلمان الذي في داخله أيضاً مسؤولون دينيون ولادينيون، لا فرق بين اثنين أو أربعة، بلغةٍ أم من غير لغة، بدينٍ أو من غير دين على أرض تحكم بحد العدل والحرية، ومنطق القانون، ليس ذنب أحد أن الإنسان العربي مرن إلى هذا الحد، كلما تحدث لغةً أخرى صار من قومها، ولا حرج عليه أنه متفلت من دينه الإسلامي، وواجبه القبلي البدائي، وثقافة مجتمعه البائتة، ولو حدث أن تطبّع الناس بما يحبون، وليس لأنهم هاربون من تفشي العفونة في النظم، والطائفية، وغياب العدل، واهتراء المناهج، فأين المشكلة؟! ثم ليس ذنب الأوروبيون أنهم لم يتأثروا جميعاً بالعربية، وليس شأنهم إذا تخلف العرب وعزفوا عن لغتهم، راجعوا أساتذة اللغة العربية ومجامعها.

وإذا كان ابن باديس ضد الإندماج والتجنيس، فقد خالف موقف رسوله في صلح الحديبية فيما هو أخطر من الإندماج، ألا وهو الإنشقاق والإرتداد، حين وافق على طلب المشركين التحاق أي مسلم بصفوفهم، وراداً إليهم أي واحد سيدخل منهم الإسلام، كان ذلك تصريحاً محمدياً للمسلمين بأن وقّعنا على طلب انضمام أيكم لصفوف المشركين، معللاً: إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله! ما قبل به الرسول، وجملته أعلاه تعقيباً على قبوله الطلب، هو تلخيص لمنطق الدين شأن بين الله وعباده، وللإنسان حرية الإنسلاخ، ولا سلطة أو وصاية لأحد على أحد، كان ذلك في حالة السلم، أما في حالة الحرب، فالأمر مختلف تماماً إذا ما تحدثنا عن كثير من المواقف في حروب الردة بعهد أبو بكر الصديق مثلاً.

الخلاصة أن العربي صاحب الهوية الإسلامية يخشَ بل يخاف عموماً قبول أي شيء، ويرحب بتصدير أي شيئ، ثقافة، دين، علم وفواكه، فثقافته ليس بعدها ولا قبلها ثقافة، انظر إليها كيف متراكمة، ودينه من عند الله ورسوله، ومن هذا الذي يتجرأ على الله ورسله، وفواكهه من أرض الأنبياء، وإذا لم يعجبك فاقرأ “والتين والزيتون وطور سينين”، وأما علمه، لن أقول لك أسسه خالدون كالخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم، بل انظر إلى ما وراء “وعلم آدم الأسماء كلها”، هذه الجمل أعلاه هي الأسلوب الرتيب والرد الميكانيكي الذي ستلقاه حين تتكلم مع عربي متديّن “مصنّف نخبوي”، ولن يتغير في الواقع شيئاً، فأنت أيها المواطن لست أمام دين بعلوم هيّنة أو قرآن بسيط، ولكنك حتماً أمام جماعة، أقلها أنها لا تملك أدنى مقومات السلوك الإنساني التفاعلي.

أن تؤيد ازدواجية اللغة، لا يعني أنك مؤيد للقتل البشع والاستعمار الفرنسي للجزائر.

حفلة وطن محتل

04/01/2013

sandwich

اعتاد الفلسطيني أن يقف لثلاثة: النشيد الوطني، وإنطلاقة الحزب، والصرّاف الآلي. فعلاً هذه المرة لم يهن على أحد فتح في ليلة الخميس، لهذا بدأت الانطلاقة باكراً. الهتافات عوّضت الفتحاوي سنوات حرمانه الست، راجياً أن تصرف له الحركة ثمن علبة سكر فضة لاستعادة صوته المبحوح، الكشوفات سيرفعها أبناء الشبيبة لرئيس السلطة الوطنية محمود عباس مطلع فبراير.

ست سنوات من البطالة المقنّعة مرّت على أنصار حركة فتح بغزة، جعل لكلمة “صح النوم” رونق خاص، كأنك تقول لهم “كل عام وأنتم بخير”، كان عليهم فقط أن ينفقوا ثمن شراء “كيس ترمس” وقد فعلوا في مهرجان الانطلاقة، كما اشترى أتباع حماس زجاجات العطر التي تحمل اسم صواريخ أم 75، أنت ترش العطر، إذن أنت تقاوم، أنت مؤيّد، اشتري، روّج، والترويج بالألوان وفقاعتها يلعب دوراً هاماً في مهرجانات الأحزاب الفلسطينية، كدورها في فساتين الرقص الشرقي.

في الحصاد الأولي بعد انطلاقة حركة فتح، يعلن صاحب محل بغزة، أنه باع آلاف من سندويشات المخ، اطلق عليها اسم “ساندويتش مخ فتح”، يعني لو كنت تنادي بالوحدة الوطنية الفلسطينية، ارتدي ملابسك، رش قليلاً من عطر صورايخ “أم 75″، وتفضل تناول “ساندويش مخ فتح”، أنت بذلك مشروع وحدة وطنية متكامل، “متعطر وشبعان”، بإمكانك التفاوض مع أي إسرائيلي بارتياح.

فتح كانت ترجو انطلاقة واحدة تحسبها استفتاءاً على برنامجها السياسي، وبعد أن انطلقت، هي الآن بحاجة لمن يوقفها، ويسألها عن خارطة الطريق المقبلة، ومثلها مثل الفصائل الأخرى، دائمة الشعور بالغيرة من بعضها، تحسب بالورقة والقلم نسبة جمهورها، فحماس مثل فتح، تعرف أن واحد مؤيد لوجه الله تعالى، وعشرة لوجه العملة الإسرائيلية، في المحصلة، سيماهم في وجوههم، سترى بعد كل إنطلاقة جماهيرية للأحزاب الفلسطينية، أن الفتحاوي ليس له ذقن، لكن عنده سوالف.

اللغة مقاومة

24/11/2012

ازرع كل الأرض مقاومة

ثمّة فرق بين الرأي والحقيقة، يختلف اثنان على جمال غزة، ولا يختلفان على مساحتها، يختلف واحد مع نفسه على صمودها في الحرب، ولا يختلف مع ملايين على عدد القتلى والجرحي، يكتفي واحد بالرأي ورأيه فقط، وآخر بالحقيقة وحقيقة تناسبه فقط، ويرى ثالث الآراء فلا تعجبه، والحقائق فلا يعترف بها، لكن أحداً لا يستطيع تغيير الحقيقة أو اسكات الرأي.

****
كل الإجرام في ثمانية أيام بغزة، بل التّجلي الصهيوني في القتل، والبيوت التي سوّيت بالأرض وكست غزة بلون الرصاص، ويسمّيه البعض بكل رعونة “جيش الدفاع”، كيف لو أنه “جيش هجوم” ؟! اسمه لمن لديهم شغف وطني “عصابات صهيونية” أو جيش احتلال صهيوني، ولو شاء أحد الوقوف على الحياد، رغم أنه لا حياد في الإعلام بل موضوعية، وقلّة هم الموضوعيون، فهو “الجيش الإسرائيلي” فقط.

****
لا تملك العصابات الصهيونية عتاداً عسكرياً بل أسلحة فتّاكة، ولا إسرائيل دولة بل كيان، ولا باراك رئيس أركان بل مجرم حرب، ولا ما يرتكبه الكيان عقاب جماعي بل تنكيل انتقامي وعشوائي، لأن العقاب للمذنب والفلسطيني لم يقترف ذنباً، كما أن الذين تتعطّش الصهيونية لتصفيتهم مثل محمد الضيف ورائد العطار وغيرهم كثر، ليسوا مطلوبين وإنما مطاردين، فالمطلوب هو المجرم الفار من وجه العدالة.

****
الجهل بالتاريخ، وسذاجة الإعلام، وركاكة اللغة، وعشوائية وشرذمة الخطاب الفلسطيني، واستهبال بعض الناس، يجعل الحرب عسكرية “مقاومة” فقط، متى نجحنا نجحنا، ومتى فشلنا تخلّفنا أكثر، فمتى نتغلّب على الجهل أيضاً.

****
يقول هنري كيسنجر “الجيش خاسر إن لم يربح الحرب، والمقاومة رابحة إن لم تخسر الحرب”، ثمّة فرق بين الربح والانتصار، وبين قولك، خسر العدو لهذا سعدت، وانتصرت المقاومة لهذا رقصت، وخرجت للشارع لأني نجوت، لكن اللغة في فلسطين مقاومة أيَّما قلت.

****
هل تبسّمت غزة بعد الحرب؟ كلّا كانت تطبّل وتأكل بقلاوة، هل حسّت بالوجع؟ ثمة وقت معها كي تحس، هل بالرقص والطبل تجاوزت الجريمة التي نفّذتها إسرائيل؟ لا تفكير بعد اليوم يا حبيبي، تصريح، قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار!

****
طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر يقال له الشّهيد البطل، متى أصبح بطلاً؟ تُسعدك صفة البطولة لمقاتل على خط النار، ذهب وعاد بها، ويضطرب وجدانك، ولا تتناغم انفعالاتك حين يُحمّلوها لطفل كان غارقاً في النوم بعد شوط من الرضاعة.

****
يقول المفكرون والمحللون في الوطن العربي جملة يوميّة، وهي أن فلسطين آخر بقعة محتلّة في العالم، ليس صحيحاً، فهي آخر بقعة لم تصمت على حقها منذ احتلالها، وتستعجل رحيل المحتل قبل بلوغه المائة عام، ثمّ أن التاريخ الذي يُكتب بدماء الصغار وأجمل النساء، ليس تاريخاً عربياً، وإنما الحقبة الفلسطينية من أجل التحرير.

****
إسرائيل لا تعتّم إعلامياً ولكنها تضلّل وتخدع، والخداع يحتاج إلى مهارة وأسلوب مثل الذي يملكه أفيخاي أدرعي حين يقول “ضربني وبكى سبقني واشتكى” فيضحك عليه الجمهور الفلسطيني، بدل أن يضحك على نفسه، حينما يتقن ثلثي عمّاله اللغة العبريّة كأداة يمكن بها مواجهة العدو، استدعوهم كما تستدعي إسرائيل جنود احتياطها، تفقّدوا معيار الحنين لديهم، يبدو أنهم في حالة اشتياق دائم لتصاريح العمل في إسرائيل.

****
ما ترجوه الأنظمة العربية هو أن تقاتل فلسطين وحدها وتنتصر وحدها، فهي لا ترغب في احتلالٍ إسرائيلي لبعض أراضيها مرّة أخرى، ومن يعتقد غير ذلك، فهذا جنون العاقل.

****
168 ضحيّة في غزة بينهم 43 طفلاً، وأكثر من ألف جريح ومصاب بالشلل، وتدمير للبيوت، تلى ذلك احتفالات على امتداد القطاع، التفاصيل تلخّصها قصّة رجل فقد كلتا ساقيه من أجل هدفٍ نبيل، ثمّ خرج جاره يلعب الكرة أمامه، يسدد الهدف تلو الآخر، غزة تسلّط الضوء دائماً على الظلام في محاولةٍ نحو الأمل، فتراها بالضوء تقدّم شكلاً آخر لساديّة اعتادت عليها، لكن صورةً لرجلٍ طاعن في السن خرج من بيته بهدوء، قبّل جبين مقاومٍ وانصرف بهدوء، إنه يفكر في ثلاثة وأربعين طفلاً، وحملهم تسعة أشهر، وآلام مخاض أمهاتهم، إنه يفكر في قول الشاعر:
وسل الأرامل بعد فقد رجالها *** كيف الليالى تنقضى والمهجع
سلها عن الأطفال عند مبيتهم *** والطفل دوماً بالأبوه مولع

****
ما تفعله إسرائيل هو غرور القوة لديها وما يفعله الفلسطينيون هو غرور المقاومة، متى يستطيع صاروخ فجر 5 أن يدمر مفاعل ديمونا النووي ؟ ذلك لا ينفع بالشعارات، ولا يتحقق تقنياً دون إيران، انفضوا الغبار عن جامعاتكم.

****
أفتحُ صفحة إنجليزية للتضامن مع فلسطين واكتب: والدتي تقول: الصواريخ الإسرائيلية تنزل علينا كالمطر، نسمع صراخ الأطفال من كل حدب وصوب.
تسأل شقراء: وهل والدتك بخير؟!
إنها بخير حتى اللحظة، الجميع ينتظر تلك الثانية، والدتي لا تبكي على الهاتف، ولكني أحسّها تقول مع السلامة!!

****
قد تكره أو تحب حماس أو أيّ فصيل آخر، ولكنّك في النهاية مع المقاومة، فلا تنسَ الانتقاد وتسديد ركلاتك الاحتجاجية، فليس الفصائل الفلسطينية ربانيّة، تمرّد أيها المواطن إلا على قيم الحب والحرية والمقاومة، فالطريق مليئ بالسياج، مقصاتكم دائماً وأولاً.

انتهى

****

تنويه واجب: بيتا الشعر لسالم خضر البحيصي الذي اعتقلته قوات الاحتلال وقد تجاوز الستين من عمره.

أنا أشم، إذن أنا موجود

22/10/2012

ناجي

أتحمم قبل الكتابة وأخلع الحذاء قبل دخول المدونة، وأعطّر نفسي لقناعتي بأن القارئ بعد الثورات التي لم تكتمل أصبح يشم عند القراءة، ولا عجب أن الحيوانات أيضاً تشم حتى تفهم، وشمها لأغراض متعددة، فالكلب يبحث عن المفقودين بالشم، ويكشف المخدرات بالشم، وكذلك تفعل حيوانات آخرى، لكن حيوان زاحف كالثعبان يشم بلسانه الذي به يتعرف على فريسته، وهكذا الناس تشم لأغراض مختلفة، بعضهم يدّعي إصابته بالزكام طوال السنة، ومنهم من يمر بمكبات القمامة فينفر من الرائحة ليس لأنها خنقته ولكن حتى يظهر للمارة أنه ولا يغركم من النوع الذي يشم ويتقزز، وبعضهم قابل للتعايش مع أي رائحة، وآخرون يحبسون أنفاسهم من الحنجرة دون أن يتجلَّى ذلك للعيان، فهم يشمون بصمت، وهناك من هم على شاكلتي حاسة الشم لديهم أقوى من البصر.

هذه مقدمة لا بد منها حتى نقول بعدها أنه كان لفلسطين نشيد هو “موطني” كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه اللبناني محمد فليفل في العام 1934، كتبه طوقان يوم “شمَّ” معنى المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، فقال:

الشباب لن يكل همه أن تستقل أو يبيد.
نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.

جاءت بعدها منظمة التحرير وأقرت نشيد فدائي في السبعينات وصادقت عليه السلطة الوطنية حديثاً، فكان معنى الفداء أن يتم تسجيل الشباب في دورات شرطة، يقبضون رواتب شهرية من أميركا لحماية أمن إسرائيل، فتجلى هنا مفهوم العبيد الذي تكلم عنه طوقان.

يقول شاب ينتمي لحركة حماس أن النشيد الوطني الفلسطيني “فدائي” هو أحد إفرازات أوسلو وهو مشروع قديم حديث، فيتساءل آخر: ولماذا يقف إسماعيل هنية إحتراماً له، فيجاوب ثالث من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويبدو أنه من تيار آخر داخل حماس قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني لا يجوز، وهو منكر في الدين وليس من صفات المسلمين أن يقفوا لغير الله تعالى، واسماعيل هنية ليس قرآناً؟! ولو رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقه حتى تعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتدخل رابع قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني أمر لا علاقة له بالدين، وهو أمر بروتوكولي، لقد غاب الثالث قليلاً وعاد بفتوى للشيخ الألباني تحت عنوان التقاليد الأوروبية الكافرة والبدع المنكرة. انتهى

هكذا تتلخص قصة نشيد وطني قد يُترجم القضية برمتها، فقد خضع لمعايير المؤلف طوقان الذي كان وطنياً قومياً مرة، ودوزان الملحن مرة أخرى وهو دوزان شعب بأكمله على وتر أوسلو، ثم البروتوكول، وآخيراً الفتوى التي لم أنقلها لطولها.

قلت ذات مرة بعد أن شممت جيداً، أن “النشيد الوطني” لا يعني شيئاً سوى أنه كلامُ شاعرٍ كثيرون أصدق منه، وكنت بحاجة إلى التصفيق حينها، لكني لا أعرف أن الموضوع تطور مع حماس وأبنائها إلى حد المتعة التي بلغت ذروتها لدى فتح وأولادها، حيث أفهم من كلام جماعة حماس وفهمي “على قدي” أن إبراهيم طوقان ومُلحن قصيدته “موطني” اللبناني محمد فليفل، وسعيد المزين ومُلحن قصيدته “فدائي” الموسيقار المصري علي إسماعيل، وحتى الناس التي تقف للنشيد الوطني جميعهم طبالجية كفروا بالتزامهم ما نهى عنه الله “أي الوقوف للنشيد الوطني”، أو كما قال الآخر، هم على صواب لأنهم فعلوا ذلك “أي وقفوا للنشيد” لأجل البروتوكل، كم هو محظوظ هذا البروتوكول، عزفوا له نشيد وطني، “نياله” ويا ليتني بروتوكول.

الحل في الحُقنة

28/09/2012

طفل صغير لا ألذ منه طفل، لديه خفة دم ليس لها مثيل، تذهب أمه به إلى المدرسة الإسلامية كي تسجله، وللصدق توضّح للمديرة أن لديه مشكلة صغيرة في النطق ستُحل قريباً مع الجلسات التي يتلقاها، فترد: “آنا آسف لا أستطيع تسجيله لأنه معاق، وهذا سيؤثر على الطلاب في الفصل..! سألتها أنا وماذا فعلتي؟ قالت: ذهبت للبيت..!

****
دخلت أحد المطاعم في مدينة مانشستر شمال غرب إنجلترا، على الطاولة المجاورة لي استرعى انتباهي فتاة وشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة يصدران أصواتاً مع حركاتٍ لا إرادية وبصحبة كل منهما أخصائي، فأخذت أرمق كل واحد، وطلبت من النادل طاولة أخرى بعيدة لاسيما أن المكان مليئ بالطاولات الفارغة، سألني لماذا ؟ شرحت الموقف من الصوت..! قال: لا يمكن ذلك، وإذا لا زلت تشعر بالضيق يمكنك المغادرة، بقيت في ذات المكان، وما هي إلا دقائق حتى همّ الجميع بالمغادرة، وإذا بالفتاة المعاقة تبتسم وتشير لي بيدها قائلة بالإنجليزية: (Bye Love)، قمت فسلمت وهي لم تلاحظ، لكني اعتذرت.

****
في ذاكرتي حال “نعيم”، منغولي، بصعوبة يضبط لغته، مصاب بواحدٍ وعشرين طلقة نارية إسرائيلية، لا زالت شظاياها مستقرة في جسده، لقد شبع الجنود في ضربه عشرات المرات من أجل ما بات يعرف شعاراتياً “بتحرير فلسطين”، لا زالوا ينادونه اليوم في كل الحارات بأقذع الألفاظ ساخرين من عرض فخذه الذي أصبح كذلك بفعل الرصاص الحي والمطاطي، وهكذا يُلازم العاديون تخلف اجتماعي واضطراب سلوكي واحتلال فكري لصالح العادة والتقليد، ويظل الاحتلال الإسرائيلي يسكن جسد “نعيم”.

****
سطرٌ في مقالٍ لكاتب سعودي يقول فيه “كذلك من مسابقات الملاكمة التي جعلت بطل (كمحمد علي كلاي) يعيش اليوم كالمعتوه من كثرة الضربات التي ارتج منها رأسه”.
هذا “كلاي” المشبه عربياً بالمعتوه، خصصت له بريطانيا شابة وسيمة يتكئ عليها مفتتحاً دورة الألعاب الأولومبية هذه السنة، تلى ذلك دورة الألعاب البارالمبية لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي أسستها عائلة جوزيف كيندي الأميركية عام 1968، بعد أن ولدت للأب ابنة معاقة عقلياً، ليتطوع فيما بعد 800 ألف شخص في خدمة هؤلاء، كم عربي فيهم ؟

30 دولة عربية ومليار بنآدم، لا أظنهم جاهزون لحقنة الرفق بالإنسان قبل حقنة الرفق بالحيوان الذي رأيته في الدول العربية يُطارَد بالحجارة والسلاح ويُضرب فيُقتل، والصحيح أن هناك حياة ولكن لا حياء لمن تنادي.

الشعب العربي ذوّاقة

03/07/2012

في رحلة صيد، دار الجدال حول أسرع طير يستخدم كطريدة في ألعاب الرّماية في أوروبا، “الزقزاق الذهبي” أم “الطيهوج”؟
في تلك اللحظة، أدرك البريطاني “هيوغ بيفر” مدى النجاح الذي قد يحقّقه كتاب يأتي بالأجوبة الشافية على هذا النوع من الأسئلة، فجاء لنا بكتاب “جينتس” للأرقام القياسية الذي صدرت النسخة الأولى منه عام 1955.

انتشر الكتاب وغزت صفحاته الأرقام القياسية العربية، مسكت الكتاب لأول مرة قبل أيام في أحد المكتبات العامة بمدينة ليدز بإنجلترا وأخذت أقلب صفحاته، وهو كتاب مسلّي، تأكدت بعد تصفحه كم من الجنون في هذا العالم، كان بجواره كتاب يتضمن صوراً لثورات العالم على مدى 60 عاماً، ومن بينها الثورة الشعبية الفلسطينية، النظر إلى الكتابين ذكرني بما يكتبه الفلسطينيون باستمرار عن أصغر وأقدم أسير في العالم، وأكبر عدد أشجار تم إقتلاعها، وعدد حواجز، رغبةً منهم أن تسجل هذه الأرقام بموسوعة “جينتس”.

تسجيل أي رقم قياسي في الموسوعة ليس مجاناً، بل يتطلب أن تدفع 600 جنيه إسترليني مقابل كل رقم قياسي، ولا شك أن العرب ليسوا كالبريطاني “هيوغ بيفر” حتى يفكروا في مشروع موسوعة خاصة بأحداث فلسطين التي لا يوثقها إلا مؤرخون جلهم كاذبون، ومع ذلك كانت المبادرة “الجهنمية” من رئيس الوزراء برام الله سلام فياض الذي شجع على تسجيل اسم فلسطين في موسوعة “جينتس” ممثلاً بأكبر طبق من المسخن ثم أتبعها بالكنافة، المسخن موروث “طعامي” والكنافة موروث “حلوياتي”، يبدو عند سلام رغبة في أن ينظر العالم لفلسطين من زاوية “سدر الكنافة” لا من زاوية الجدار الفاصل.

دخلتْ فلسطين بالكنافة ولبنان بالتبولة وتبع ذلك الحمص والفلافل، ولم يقصّر الطهاة العرب، من الشيف رمزي للشيف أسامة، كيف لا ونحن نسمي مطاعمنا “مطابخ” كدليل على الدسم والإبداع في الطبخ، ومع ذلك فإن العرب لم يفلحوا أن يكون لديهم مطعم من بين أفضل 50 مطعماً حول العالم بحسب المجلة الإنجليزية المتخصصة “ريستورانت ماغازين” حيث يشارك فيها أكثر من 800 من الرواد عالميا في مجال المطبخ والطهي.

كفى الله العرب شر التنافس على المطاعم، ولا كفاهم أن يكونوا ذوّاقة مثلي، حيث ذهبت مرّة إلى مطعم عربي في قلب لندن، فوجدت الخبز كندي، والشوربة سويسرية، والجبنة فرنسية، واللحم أرجنتيني، والشاي إنجليزي، والقهوة برازيلية.

فسألت الجرسون: أليس هناك أي شيئ عربي!
قال: لدينا خادم ليبي.

درس في الثقافة السعودية

10/06/2012

خرجت من خان الخليلي بالقاهرة القديمة منتهياً من سهرةٍ شعبية، وقد تخزّن في وجداني عزف ربابتها ومزمارها، مشيت باتجاه حي الحسين وأنا أدندن “ده لولا النبي ما كان الكون قدر، ولا كان فيه ناس لا صلت ولا صامت”، ومن أمامه ركبت التاكسي الأبيض متوجهاً إلى مقهى الحرية وسط البلد، قلت للسائق عن المكان، فتأكد من لهجتي أنني لست مصرياً، فبدأ يحدثني عن الوضع الراهن مع قليل من الجغرافيا السياسية، ثم بقدرة قادر وصل في كلامه للمفاتيح العشرة للنجاح، بقيت مصغياً لحديثه طول الطريق بكل اهتمام وقليل من السذاجة مع هزات خفيفة للرأس تؤكد له صحة معلوماته، وعلامة تعجب صنعتها لتبين له حماقتي، أظنه لاحظها بنظراته الخاطفة في المرآة الأمامية، وللتأكيد فإني لم أكن ألبس جلابية ولا عقال، اقتربنا من حي باب اللوق، وقبل أن ينزلني بدقيقة، قال لي: “تصدق إني مرة قلت الكلام ده لراكب سعودي، فقلي ما شاء الله عليك وعلى ثقافتك وأعطانئ 200 جنيه”.