ثلاث أفكار وملاحظة

هناك انشغال دائم حول جوهر “الوعي والثقافة” وعلاقتها بالحقيقة أو “الواعي والمثقف” وحقيقة ما يفكر فيه ومكانه وزمانه أو حتى التجربة التي شكلت آراءه الفلسفية والواقعية. الفيلسوف الروماني إميل سيوران ذهب إلى خلاصة فقال إن الوعي منفى. الأمر ذاته نقله الأكاديمي والمنظّر إدوارد سعيد بمعنى آخر وقال المثقف الحقيقي غريب أو خارجي يفرض على ذاته المنفى على هامش المجتمع. جاء المفكر عزمي بشارة، وأشار في كتابه الثورة والقابلية للثورة أنه لا يفهم ما معنى كلمة “حقيقي”. وأوضح بشارة، أي الحقيقي في هذه الحالة تعني عكس الكاذب أو عكس المزيف. وأن درجة الحقيقة والتزييف لا تعتمد على كون الإنسان خارجياً أو منفياً ذاتياً وإنما تعتمد على تعريف المثقف لنفسه ومدى التزامه التعريفات.
التدقيق في المعاني يدلل على أن الوعي “سيكولوجياً” يظل في حد ذاته ناقصاً وغير مكتمل مهما كان جذره أو نتيجته، ولا يتأكد إلا بقيمته، لأن الحقائق هنا تخضع للشك واليقين، كما أن الحقيقة الجازمة ليست مطلقة، مثلاً البعث والنشور في النص القرآني أو الجهل بأمر الروح واعتبارها مؤجل والكثير مما يعتبر يقينيات.
في قاموس “لسان العرب” يذكر أن الحقيقة هي ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وقيل بلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه.
نحن نعرف أن هناك حقيقة يقول بها الدين وحقيقة تقول بها الفلسفة.. يعني الحقيقة الدينية “وحي مرسل ومعجزات وأساطير.. إلخ” والحقيقة العلمية “عقل يفكر وتجارب واستنتاجات..إلخ”
برأيي، حين تُجمع الحقيقتين تصير الحقيقة مزدوجة “هنا ازدواجية الحقيقة، إما أن يكون وصولية ومراوغة أو تنوير وتجديد”. الأمر يخضع للجدوى “الحاجة” والاتقان “الحجة”، وهذا ينطبق على فلاسفة الشرق والغرب.
في مثال يعبر عن فهمه لمعنى “الحقيقة الدينية” يقول المفكر علي شريعتي “إن الكافر يغطي على الحقيقة في قلبه لأسباب وعلل كالجهل والانتهازية”. هذا قول فيه سجال أصلاً وتداخلات حول مفهوم الوعي وكيف تشكل “الظرف الاجتماعي” وماهية الحقيقة وخصائص الإدراك وكيف يؤمن الإنسان وكيف يكفر!
المثال الآخر حول مفهوم الكمال مثلاً “كحقيقة دينية” أورده الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في كتابه اللاهوتي “أفكار” حيث قال إن الهوة اللامتناهية لا يمكن أن يملأها سوى موضوع لامتناه ولا يتغير، يقصد الله وحده. هنا يقع نقاش آخر، حول الوعي ودورته ومداه، وهذا إما أن يأخذنا إلى نرجسية الإنسان كحالة فخر وقوة لا تقهر، تؤرقه الخطايا وبذلك يفتح صراعاً مع عديمي الإحساس لإثبات قيمة ما، أو يدخلنا في دوامة العدمية التي هي تلقائية في حد ذاتها، أي تتلبس الإنسان، وبالتالي يصير من يتبنى مفاهيم مثل الدفاع عن الوطن واستعادة الحق، لا يلتقي أبداً مع مفهوم العدمية والعدميين؛ ليس لأن هذا تناقض واضطراب في التفكير، بل لأن العدمية في جوهرها تنسف معنى الشعور بالأشياء ويصير الانتماء للفراغ هو الأصل، وحين تصير علاقة الوعي بالفراغ واللاقيمة علاقة تراكمية، هنا تتجلى العدمية، وأيضاً لأن أي صراع بالنسبة للعدمي سيكون عبثياً وليس له منطلقات قيمية أو أخلاقية سواء كان منبعها الدين أو الطبيعة.
حتى أن هاروري موراكامي وفي روايته جنوب الحدود غرب الشمس.. يقول حول كفاحه ليصبح شخصاً آخر كي يتمسك بحياة جديدة يظن أنها جزءاً من عملية النضوج يقول إنه لا يملك الحق ولا يملك ثقة لربح القوة الكامنة في داخله”.
لهذا كله أنا أقر أنني أنتصر للهشاشة حين يتعلق الأمر بالحقيقة ويُترك للأقوياء دماء الجاهلية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.