عن المفاهيم والدلالة

المفاهيم الاجتماعية والسياسية دائماً تشغل الباحثين، مثلاً، الرقي، الحرية، العقلانية، العدالة، التراث، الثورة، الفساد، الرجعية، الفوضوية.. إلخ ودائماً يطرح السؤال، ما أصل المفاهيم؟ وكيف تنشأ ويتم تبنيها؟ ولماذا وكيف يتحمل الباحث مسؤولية طرح المفهوم ليس كمصطلح إعلامي بل كأسلوب وثقافة في المجتمع بالمعنى الغرامشي؟ مثلاً كيف يتعلم الإنسان الوعي والرقي سيكولوجياً؟ وما علاقة الأمر بالمجتمع؟ بمعنى آخر، هل المفاهيم حالة مصطنعة منمقة أم إنسانية كيميائية؟
أولاً، لغة الفكر والعلم سيرورة تاريخية ولكن مع تطور المفاهيم عكف الباحثون على التدقيق والتمحيص في جدوى كثير من الثنائيات مثل “الدين والتاريخ – مثلاً، فشل الإخوان ثم ندبهم عبر استعارة مظلومية طائفية” و “السياسة والاقتصاد” الدناءة في استعارة أي اتهام للناس لصناعة الأهمية والجدوى وتكريس المصالح ولغة الأنا”. يعني مثلاً في حقل تاريخ وأنثروبولوجيا اللغة سنجد تماسك سياسي واجتماعي في ابتكار المفاهيم وهذا ملحوظ في لغة سوفوكليس وأريستوفان في اليونان القديمة واللغات الأخرى السريانية والسومرية والآشورية.. إلخ
يدور حديث مستمر حول المعاني السيكولوجية لتطور المفاهيم والعلاقة مع الدين والتحولات الاجتماعية والسياسية، أكثرها نقاشاً “ما بعد الحداثة” أو الترامبية في صياغة مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية والسياسية.
وصلت إلى ما يشبه الخلاصة، ولكن المسألة بحاجة إلى طرح أوسع وأدق، وسأضرب مثالاً ميكافيلياً في واقعيتة. يقال عند العرب، مات مقهوراً، هنا القهر بوصفه مرض قاتل، ولذلك فإن ما يحدث في الشرق الأوسط الآن من قهر هو صناعة “متقنة سياسياً” للمرض، وهذا في حد ذاته يؤسس لبيئات قلقة مضطربة، أما تأثير القهر في البيئات الواعية فهو غالباً يؤسس للأفكار والمعاني الحقيقة، مثلاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس التاريخية تزامناً مع ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، هذا “زلزال قهر” للوعي الجمعي العربي واستخفاف به في ظل العجز المعبر عنه في لغة المصالح الدولية والإقليمية وتضارب السياسات المجحفة. وهذا ما أوصلنا إلى حالة يطلق عليها اسم “القهر السياسي” أو “قهروسياسية”، على غرار “نيوليبرالية” أو “اللاسلطوية” أي شكل السياسة بوصفها عجز مطلق يصحبها عملية ردع مستمر لفترات طويلة. ببساطة لأن الواقع في العالم العربي يتجاوز حالة المفهوم التقليدي للسياسة وقواعد العلوم السياسية، وما أقصده يختلف عن شروحات فرانز فانون وحنة أرندت عن العنف والسياسة. الأمر أوضح في المسألة السورية حيث تدويل الأزمة في المحافل الدولية عبر ألاعيب فوضوية لأهداف شخصية وجيواستراتيجية وشبكة علاقات مصلحية تلعب على وتر التخريب وهنا يتجلى القهر السياسي وينعكس صورة اجتماعية على الأبرياء.
تجربة أركون ومنهجيته البنيوية في مجال أنسنة الفكر، أوصلتني إلى نتائج، منها أن العالم العربي صار يفتقد إلى ما يمكن تسميته “الانسيابية الاجتماعية” وحتى الذوات الفاعلة صارت محكومة لعوامل وأدوات نسف الوعي وقتل الفكر وخداع واستغلال الإنسان من أجل التكريس للصنمية. الأهم إنه فيه مسألة جدية يجب الاتساق معها وتكريسها بوضوح، وهي توسيع دائرة عملانية المفاهيم عبر الاشتغال أكثر على أنسنة الوعي بعيداً عن ثقافة الوعظ الديني والوصاية على الآخر.
طبعاً هذا كله لا يتنافى مع القناعة بمقاومة الاحتلال والدكتاتوريات العربية وردع الظلم حتى لو بخسارة، فالحق لا يجيزه أي باطل، لكن القتال المحمول بنزعات انتقامية وليس فرض عين أو كفاية “ولذلك شروط” بقصد الجهاد، فهذا يسمى ثأر بغرض الإذلال والانتقام وهو بالضرورة يؤسس لأنظمة وفكر شمولي وله تبعاته. كمان الاستسلام لبشاعة الواقع بحد ذاته هو انعدام مسؤولية والاندفاع بدون وعي جمعي دليل عجز وتهلكة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s