رشيد غُلام: الشِّعر والغناء معًا

حين تبحث عن اسمه، ستجد، إلى جانب أغانيه ولقاءاته، قائمةً طويلةً أخرى لا تضمّ أعماله الفنية، بل تضمّ سلسلةً من التضييقات والمنع من الغناء. إنه رشيد غُلام، الفنان المغربي الذي ذهب بصوته للوقوف إلى جانب الشعوب. هنا، حوار معه.

لماذا شاع اسم رشيد غلام وليس رشيد الموتشو؟
الوالد اختار الموتشو لأنه دخل الدار البيضاء وهو طفل صغير، وهناك كان المغاربة ينادون الطفل الصغير موتشو، فقام بتغيير كنيته وأصبح هذا الاسم هو لقب في العائلة، لكن رشيد غلام اسمي الفني وأصبح لصيقًا فيّ.

يقال إن الفن في بعض المدن المغربية فيه مسحة صوفية. كيف تراه؟
هناك تنوع في المغرب. مكناس عاصمة فن الملحون، كما أن فاس عاصمة الأندلسي وطنجة أيضًا، وأسفي عاصمة العيطة؛ فن مغربي قديم مرتبط بمقاومة المحتل. أما شرق المغرب فهو مركز الراي لأنه قريب من الجزائر، وفي شمال المغرب عُرفت الطقطوقة الجبلية، والدقة المراكشية في مراكش، والكناوة في مدينة الصويرة والحساني في الصحراء.

غنيت لعدد من شعراء العصر العباسي، لمن وكيف تختار نص الأغاني؟
أنا مرتبط بالنص الشعري الجمالي وأحب اللغة بشكل جنوني، وأكتب الشعر العمودي وبالتالي عندما يعجبني نص شعري أتغنى به، ولهذا غنيت لابن معتوق وابن عربي وابن هانئ والإمام الحراق وابن شعيب الدكالي ولأحمد شوقي ورامي. أنا منقب عن الشعر، وهناك بعض القصائد التي سمعها الناس مثل قصيدة “يا راهب الدير” و”لغة الكلام” للكتبي، و”ولد الهدى” لأحمد شوقي و”البردى” للبوصيري.
تقييمي للغناء العربي يبدأ بشكل أساسي بجمالية النص. وقد كان ذلك من أساسات الغناء العربي، ولا يزال؛ فالأغنية نص، وقيمة النص تبعث على التلحين والتعبير النغمي في الأغنية.

لماذا عُرفت في الغناء أكثر من تأليف القصائد والموسيقى والقطع المسرحية؟ وما هي القصيدة التي تعتز بها؟
أنا أحب الشعر والغناء معًا، لكني موهوب في الغناء. أما الشعر فأنا أكتبه على السجية وأحتفظ بأشعاري ولا أنشرها، وهناك شعراء أفضل مني بكثير، لكني غنيت بعضها، مثل أغنية “عاش الشعب”، في الغناء السياسي، وأيضًا أغنية “يا زهرة العمر” وكذلك “بحبك لا نشقى أبدًا”، وهناك قصيدة وجودية أعتز بها بعنوان “أي سر قد طوى” أقول فيها: أي سر قد طوى هذا الوجود العامر.. نبئوني أنجدوني إن بي وشب الخبال / أي غايات إليها ساقني ركب الحياة .. هل ليسرى أم لعسرى أم لأحيا في ضلال

هل تلحن أغنياتك؟
نعم لحنت أغنية “لغيرك ما مددت يدا” وأيضًا أغنية “عيون عبلة”.

لاحظت أن أغنياتك القديمة مختلفة تمامًا في ألحانها عن آخر أعمالك الفنية، مثل “عيون عبلة” و”طالع يسقط حكم العسكر” و”سجن القداسة”؟
الأغاني القديمة تم إنتاجها في ظروف مختلفة لم تكن تسمح بأي إنتاج كبير، ظروف اجتماعية وفقهية وذهنية في ذلك الوقت، أما الأغاني الجديدة فهي تعبّر عن الواقع العربي، وطبيعة المضمون الغنائي ثوري ويتحدث عن واقع مؤلم، وأيضًا صدف أن الأغاني وجدت من ينتجها وقد مددنا أرجلنا على قدر بساطنا إن صح التعبير. مثلًا، أغنية “عيون عبلة”، لو لم تجد إنتاجًا ورعاية لما خرجت بهذه الصورة، وهناك أعمال كثيرة موجودة على الرف وتنتظر إنتاجًا ورعاية، والمال في المجال الفني صعب. الفكرة الإبداعية تضيق حسب القدرة على إنتاجها.

كيف استطعت المزج بين النزعة الثورية والصوفية والإنسانية في أغانيك؟
ارتبط في ذهن الناس أن ما يسمى بالغناء الصوفي والوجدانيات منعزل تمامًا، وهذا خطاً؛ فمن يعيش هم الله في وجدانه ويكون بهذا الصفاء الروحي، لا بد وأن يعيش الهم الإنساني ويحمل هم الخير والعدل للناس، وتعبيره عن ذلك سيكون بكل الطرق الجمالية الثورية، ولذلك تجدني متنوعًا في أشكال القوالب الفنية، كالطقطوقة والموشح والموال والموسيقى الأوبرالية، وكذلك التنوع في المعاني الروحية والثورية والاجتماعية والغرامية، وهذا ما يلاحظه الجمهور.

هل تنحاز إلى مقام موسيقي دون آخر، كما فعل رواد الغناء والمشايخ؟
بالتأكيد لا. التلّقي الجمالي الذي يحضرني هو الحالة التي أعيشها، وليس الاختيار لمقام محدد. أغني من جميع المقامات وأحبها كلها، وليس عندي هذا القيد، فأنا اعتبر المقامات كتلة هلامية تشكّلها أنت كما تريد، فهي تعكس الفرح والحيرة والوجد والشوق والحزن الذي ارتبط عند الناس بمقام الصبا، والراست يعكس الفرح، والحجاز يعكس النداء.

هل الظروف الاجتماعية والسياسية في السنوات الخمس الأخيرة عززت إحساسك تجاه الفن كقيمة وأعطت دفعة معنوية؟
قوّت إيماني برسالية الفن وقيمته التغييرية، وعززت تشبثي بمبادئي، فلا أبتذل نفسي ولا أبيعها من أجل الشهرة والانتشار، ولا أهين نفسي وأضعها في مكان من أجل أن أكون فنانًا مشهورًا. هل أتصالح مع الأنظمة الاستبدادية من أجل أن أكون فنانًا؟

أي من الفنانين العرب الذين قابلتهم ترك أثرًا شخصيًا وفنيًا فيك؟
وديع الصافي. ربطني به علاقة وطيدة وأعتبره من أساطين الغناء العربي. اللقاء به كان من أجمل الأشياء التي حصلت. التقيت مع لطفي بوشناق وصباح فخري مرات عديدة ولم يخلُ اللقاء من حديث حول الموشحات وكلماتها.

كيف كان لقاؤك بوديع الصافي في بيته؟
كأنه وجد شيئًا ضالًا عنه، وكأنه التقى بحاجة كان يأمل أن يلتقيها وأن تكون موجودة في الوطن العربي. كان حلمي أن ألتقي وديع. حدث وكان اللقاء طويلًا ومؤثرًا وهو مصور، أتمنى أن يبث ابنه ما سُجل خلال الجلسة، حيث بكى وديع.
وديع أعجب فيّ وأثنى عليّ. أن يؤمن وديع بأن تبقى محافظًا على خيارك الفني بالشكل وألا تبتذل نفسك فهذا يفرح، ولكن أغلب الفنانين يقولون إنه يجب أن تلين قليلًا وأن تنتج شيئًا خفيفًا. الفن صار هو الانتشار فقط، والجودة صارت تعكس الانتشار. صار السؤال عن حجم انتشار فيديو ما، ولا تعني القيمة والجودة أحد. أتفه أغنية في تاريخ الغناء مثل “غانغام ستايل”، شاهدها تقريبًا مليارين من الناس. هذه فقاعات هوائية، يراها الناس في وقت محدد ثم تتلاشى، ولا تترك أثرًا؛ فهي لا تربي الذوق العام ولا تعطي قيمة، ولا توقد حسًا معينًا في الإنسان ولا تقدم رسالة للناس وللحياة.
الفنان في العالم العربي يمكن أن تجد له صوتًا ولكن بدون قيمة، وتجد مغنيًا ولكن بدون ثقافة عميقة بما يغنيه. أصبحت القنوات تنتج فنانين مثل المعلبات من دون ذوق. لا يهمني ولا أريد أن أكون فنانًا شهيرًا بأي شكل من الأشكال. سبق وأن التقيت بسماسرة الفن في القاهرة عام 2006، ولو قبلت أن أبيع نفسي باحتكار صوت لأربح الملايين لكنت الآن من الفنانين الشهيرين في القنوات الخليجية، ولكن عندها سأكون مهرجًا، بل مخربًا لأنني سأربي في الأجيال سوء التلقي وقيم أخلاقية سيئة، ولا أريد أن يكون دوري هكذا، حتى لو أجلس في بيتي وأفخر بما أقدمه وحدي.

 

لذلك، هل تريد التأكيد على أهمية وأفضلية الموسيقى الكلاسيكية؟
إذا كان المقصود بالكلاسيكية مرحلة تاريخية، بالتأكيد لا، أنا أقصد الفن عمومًا والقيمة الفنية تكمن في موقفين؛ أولًا، أن يتم مراعاة الموقف الجمالي بحسب مجال الاشتغال؛ فإذا كان غناءً، يجب اعتبار القيمة للصوت واللحن وطبيعة المادة والقيمة المعنوية والأدبية، والقيمة الأدبية يجب أن تراعي فيها التركيبة الشعرية وأيضًا المقاصد والمفاهيم الموجودة والمعاني. ثانيًا، الموقف الإنساني؛ أي ماذا يحمل هذا الفن وماذا يقدم؟ إذا لم يكن الفن بهذين الجناحين فسيكون شيئًا تافهًا مبتذلًا.

الأغنية العربية الكلاسيكية لم تكن كلها تراعي القيم التي ذكرتها؟ بعض الطقاطيق مثلًا عكس ما تقول تمامًا.
هناك أشياء يُحتفظ بها، ولا نزال نحتفظ بالكثير من الأغاني، ولكن هناك أشياء دخلت مع جملة الأغاني. مثلًا محمد عبد الوهاب بجلالة قدره، لحّن أعمالًا متواضعة، ولكن عندما نذكر اسمه لا يمكن أن نقول إن عمله الصغير تافه أو عادي لأنه لحّن أعمالًا كبيرة. حتى أن الأغاني التي تعتبر هفوات يُختلف في تقديرها فنيًا. سيد درويش مثلًا لحّن أغاني ذات قيمة، لكن المدرسة التي أنشأها أعطت لكل أعمال فناني تلك المرحلة قيمة تاريخية؛ لأنهم كانوا في بدايات إنشاء الأغنية والموسيقى العربية بالشكل الذي نحن عليه الآن. ليس كل ما غنته أم كلثوم ذات قيمة شعرية وجمالية، لكن أم كلثوم حالة. أقدر كثيرًا الرحابنة ومدرستهم وما صنعوه بوعي فني وإنساني وسياسي سابق لأوانه، فقد غنوا للعربة والضيعة وللجار وللقمر والليل والوطن العربي والمدن. شيء واحد لم يغنوا له وهو الاستبداد، ولم يغنوا لأي حاكم عربي.

برأيك ما هي الدول العربية التي لم يتم إنصافها فنيًا على مستوى البحث في الموسيقى والتناول الفني؟
الإعلام العربي بدأ من الشرق ولم يهتم بالغرب في العالم العربي؛ فهو لم يهتم بالمنطقة المغاربية كلها، رغم أن فيها زخمًا ثقافيًا وتنوعًا غير موجودين في الشرق، وفيها عمق تاريخي كبير. كثير من البلدان العربية مظلومة مثل اليمن، والعراق أيضًا فيه تراث فني قديم جدًا والناس لا تعرف منه إلا القليل، مثل المقام العراقي؛ أما الشام فالفن فيها معروف، ومصر استنفدت. نحن بحاجة إلى إعادة البحث وتخريج التراث الموجود في هذه المناطق المنسيّة.

من هو أكثر ملحن تعجبك ألحانه وتجربته الفنية؟
رياض السنباطي، لا يضاهى، فهو أفضل من يبني البناء اللحني على الإطلاق وأفضل من يصيغ الجملة اللحنية التعبيرية عن المعنى الموجود في النص. السنباطي أكثر اشتغالًا على قيمة الكلمة. هو متفرّد وكان يجب أن يُدرس بشكل كبير جدًا، خصوصًا الانسيابية الموجودة في ألحانه وعدم تكلفه. السنباطي استطاع أن يحافظ على ما عند زكريا أحمد وما عند عبد الوهاب، وقد جمع بين المدرستين الكلاسيكية والتجديدية. لو كان هؤلاء بيننا الآن لما كان لهم مكان وسط هذا الزخم الموجود، إلى أن يلحنوا أغاني الهشّك بشّك والأغاني الخفيفة.

ما الذي تبقى لنا من فن وألحان الماضي وما هو تقييمك لشكل الحاضر الفني؟
التربية التي تربى عليها المتلقي الآن مختلفة. هناك سرعة في الوصول إلى المعلومة عبر التكنولوجيا، وإيقاع الحياة يجعل الناس تتغير. قديمًا كان التلحين كما يخطر للملحن وليس كما يُقيده سمع الجمهور؛ لذلك أنت لا تلحن الانطباع الجمالي، وإنما تلحن السلعة السوقية التي تريد أن تبيعها. أين هو الفن في ذلك؟ عندما تخالجك اللحظة الإبداعية وتتردد فيها مثلًا، فأنت لم تكن مخلصًا للإبداع. التربية الفنية في السابق كانت ذوقية، أما الآن من خلال الإفلاس الفني الموجود في الإنتاج، صيغت أذن المتلقي العربي بشكل سيئ، بحيث صار لا يقبل إلا ما هو موجود، والعولمة لعبت دورًا في كل هذه الأشياء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s