ذاكرة مليئة بالملح – قصة قصيرة

كان وجه الصباح يتنفس ببطئ شديد، أجلس على قطعة قماش بين سريرين فى المستشفى وألملم لذة النعاس بينما جدّي عيسى يتأوه وينوح.. بين دقيقة وأخرى ينطق كلمات لم أفهمها ولكني أذكرها جيداً.. فجأة قال كلمة بصوت مرتفع، وقفت وحدقت في عظامه البارزة وفي عينيه.. كان توتري يحتكم إلى ما تقوله عيناه، فالسرطان كان يأسر كل التجاعيد في وجهه، أما الوجع كأنه مسامير تتساقط عليه. الغرفة فارغة تماماً والموت بات يسيطر على السكون ويلتف حولي للانقضاض على جدّي.. في لحظة ما تسلل بعض الهدوء إليّ فتذكرت كل الماضي عنه، أحدهم لقبّه ببنك الدم لعافيته وصبره الذي أراه ينازعه اللحظة.. كان يشعر أنه قوي بما يكفي حتى يداعب إنسانيته على سرير المرض.

أكثر من عشرين عاماً عشتها على مقربة من جدّي، خزنت تفاصيلها، ولكنها تغزو ذاكرتي الآن، تنهال قصصه وصوت مواويله على عقلي.. كان يعرف أنني قليل الأمل وكثير الحب، فيحدثني عن بهجة الأرض ثم يقول لا توقف خيالك على حدود 67. 

تحمست وسألته ذات مرة كيف تزوجت من جدتي قبل التهجير من فلسطين؟ لم يجبني لكنه قال كانت السبب في بقاءه على قيد الحياة، لقد طلبت منه الهرب من القتل حفاظاً على حياته.. لا يخفي جدّي غضبه كلما تذكر تلك اللحظة.. في أحد المرات كنت أسرد القصة فضربني بعكازه ولاحقني حتى طردني من البيت..

أدرت رأسي فجأة وقد حل الموت فعلاً في غرفة المستشفى، شعرت به فأغمضت عيني وقد اجتمع داخلي خوف وحزن شديدين.. سمعت صوت أنين جرح قلبي وشقق رأسي.. أدرت وجهي فكان ما يشبه حبة ماء كبيرة داخل عين جدي، وقد ارتسم فيها ما يشبه قطعة أرض زراعية ورجل يلوّح بفأس قديم ويضع يداً أخرى على ظهره.. لفظ جدي أنفاسه الأخيرة وسقطت آخر دمعة.. لم أفعل شيئاً، ولم يكن أي شيئ مخيف، فقط شعرت بالوحدة وغادرت المكان وفي داخلي مخزون طافح بالدموع أخافه كلما كبرت، أخشى أن يتملكني القهر فأصبح به قاهراً، لذلك آخذ نفسي وأهرب بها يومياً، حتى أنني هاجرت من البلاد، لكن اللجوء صار ثقيلاً جداً.. حين أحس بمرارته ومعنى قسوته وهو يقطع كالسيف، أذهب سريعاً إلى مزرعة محاذية لنهر التيمز، أحاول الهدوء ولكن تزاحمني التفاصيل وتلح عليّ الذكريات.. أنظر في الماء فتتراءى لي دمعة عيسى وأحدق في الأرض فأتذكر وعد بلفور.. أشعر كأن الملح في عيني، أتنهد قليلاً ثم ابتسم كلما تذكرت قصص هذا الرجل، ولكني أشعر بالغرابة وارتباك المكان وتخالجني مشاعر متضاربة، فأعترف بيني وبين نفسي أن الذاكرة لا تشفى أبداً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.