“وداد” قصة قصيرة

لم أشعر بالتعب لكن الهواء كان يدور ويختنق داخل رأسى، فمشهد الجنازة ضبابي بينما أجري على حافة النعش حافي القدمين.. الناس كلها تكبر بعالي الصوت وأنا صامت بطيء.. يطلقون الرصاص فأزيح وجهي نحو الجثمان وأتذكر لحظة سهر معه قال فيها “لو بتعرف تعزف كان غنيتلك، يما مويل الهوا يما مويليا” لكن بدك تضبط الدوزان.. ثمة شيء جعلني أركض في الجنازة على إيقاع منتظم ثابت، قلت إنه يريد الإيقاع بالضبط، هذه وصيته..
كان الجو شديد الحرارة فتعرقت وصرت أغني في عقلي.. ومشيت تحت الشتا والشتا رواني.. فينقطع الغناء وأنظر إلى أعلى فأجده مسجى فأتهدج.
ساعة من الصمت تلت إغلاق القبر، تحسست يد على الأخرى وعدت من المقبرة حافياً، لا أتحدث مع أحد، فقط كانت الذكريات وصفحات الدراسة تتلاقح مع بعضها وترتد إلى قلبي فتجده في حالة بلوغ مضرج بالدماء.
عاد الهواء يختنق في رأسي، حيث انهالت التفاصيل بعد شهور من الجنازة، لكني هدأت قليلاً وأسندت ظهري على نصب تذكاري في حي المسيح وسط المدينة، فيه روح لا يفهمها أحد، حتى أن تصرفات سكان الحي غريبة، يشعر بعضهم بالنبوة وبعضهم لا يبالي، والبعض الآخر إما يبتسم أو في حالة عزلة أو آلام لا تنقطع.. في هذا الحي يلتقي الصمت والشغف، وهو ليس بعيدا عن ضريح نائم في المدينة منذ عام ٣٧١ ميلادي، ضريح القديس هيلاريوس، على مقربة من النصب التذكاري حيث أقف وتبدو السطور باهتة وإن بدا اسم الشهيد جاداً في البقاء. بعض الحروف الصامدة على لوح الرخام تذّكر بشخصيته، كان لها هيبة غروب الشمس ولونها تماماً كوالده اسماعيل، مدرس مادة الجغرافيا، رجل غامض وهادئ جداً، يسير ببطئ شديد وفي رأسه خرائط العالم وطوبغرافيا الأرض وتشعر أن سايكس بيكو تجرح حركة عقله بشكل يومي، درّسني في الإعدادية، لم يكن يضرب أو يعاقب أحداً لكنه كان شديد الحزن، في بعض الأحيان كان يترك الفصل دون أن يتفوه حتى بكلمة، كنا نشعر جميعاً بذات الألم.
في أحد المرات كتب عنوان الدرس “المعرفة مسؤولية” كنت أدقق في كلماته وأشعر أن شرحه يميل إلى الفلسفة الطبيعية أكثر من الجغرافيا. يقول لنا، يجب أن نتخطى دائماً مرحلة الألم، ويؤكد بشكل يومي أنه يكره رقم ٦٧، ثم يذهب إلى باب الفصل فيقفله ويقول إن الإساءة يمحوها الزمن أما الخسارة فهي أبدية، الإساءة لها علاقة بالمشاعر أما الخسارة فلها علاقة بالروح، لقد فقدنا أرواحنا في فلسطين التاريخية، وأنتم الآن بلا روح، ثم ينظر إليّ بدقة متناهية يتبعها لحظة صمت ويقول، النضال حالة استعادة للروح.
بين كل درس وآخر كانت هناك فسحة، أقول لأصدقائي فيها، إن المعلم إسماعيل هو كل شيئ، الجغرافيا والفلسفة والهدوء والألم، وكنا نردد سؤال إسماعيل في عموم المدرسة، هل تخطيت مرحلة الألم؟ ثم نضحك بشكل سوريالي وقد تعلقت المشقة في تفاصيل وجوهنا. بسام صديقي فقد ستة طلاب مقربين إليه، لقد شارك في جنازات ستة جثامين، كلما سمع سؤال الألم هرب من المدرسة، فهو لم يكن مخيفاً أو خائفاً ولكنه كان يشعر بالوحدة.
أما عماد فكان علي عكسه تماماً، قلبه قاس وكلامه مرتجل، قلت له بسام سمع سؤال الألم وهرب من المدرسة، قال خليه يهرب! بدنا نعمل اضراب ضد سؤال الألم، لأنه فيه أسرى وفيه شتات ومستوطنات.
ذات مرّة شرد ذهني في الفصل، كان المشهد كله غبار ودخان وأصوات رصاص كلاشينكوف وزغاريد في تشييع جثمان أحد أبناء المخيم، كنت أراقب المشهد ولا أعرف ما الذي جرى بالضبط لكني صرخت في منتصف الدرس، لمحني المعلم إسماعيل من فوق كتف سليم، حذف اصبع الطباشير على رأسي وأعلن انتهاء الدرس.. كنا نفتعل أي حركة حتى نشارك في المسيرات.

وجدت طريقي أنا وعمر إلى أحد المستوطنات خلال مسيرة غاضبة، كانت الجدران مليئة بأسماء وصور الشهداء وأشعار معين بسيسو وتوفيق زياد، حملته على كتفي وأخذنا نردد، علا يا بلادي علا.. الموت ولا المذلة..
في كثير من الأوقات كانت تختلط عليّ المظاهرات، فأشعر للحظة أنني في زفة عريس، إذ لا معنى لأي شيء صاخب في حياتي، لا الموت ولا الحجارة ولا السلاح، لا شيئ، فقط أردت المشاركة في المظاهرات كوفاء للجثامين التي كنت أرقص معها في الأفراح، كانت جثامين تحب الرقص وتحب الحياة.
وصلنا إلى المستوطنة، كان عمر على مقربة مني، دار حوار بيننا نصفه خوف ونصفه الآخر بطولة، كنّا نتصارع على رمي الحجر بالمقلاع، من يبدأ أولاً؟ استغرقنا وقتاً طويلاً، من يبدأ أولاً؟ كلانا يعاين درجة القلق عند الآخر لكن روحه كانت أسرع، يضايقه البطئ في حياتي.. لقد كان محقاً، فأثره ظل بطيئاً يجرح في ذاكرتي منذ نحو 18 عشر عاماً، لقد انفعل غاضباً وهز رأسه وقال سنبدأ ولكن يجب أن تفصل بيننا مسافة حتي يتحرك المقلاع جيداً.
جرى بالمقلاع، ورحت أعد خطواته وتقييم قوة حركة المقلاع، قلت إن الروح في المقلاع وتذكرت درس إسماعيل، النضال حالة استعادة للروح، لم يخطر في ذهني أن قوة عمر ومقلاعه صادقة إلى هذا الحد القاتل. كان التوحش ينتقم من الروح في مشهد مهيب يسقط فيه عمر أمامي.

مرت شهور خضعت فيها لما يشبه الحصار، فلا أحد يعرف كيف كنت أهرب من أمه وداد كلما تذكرت أنها أول من كشفت عن جثمانه في المستشفى خلال عملها، أتفقد الشارع من شرفة البيت كي لا أصادفها، فكلما ألقت القبض عليّ في الشارع، تقول يا حبيبي شو أخبار عمر؟ لا أرفع رأسي مطلقاً بل أنكمش في ذاتي وأراها تفرك بيدها، تنتظر ولكني لا أجيب وأسأل نفسي، هل يجب عليّ المغادرة الآن على وجه السرعة؟ أغادر وأقول في نفسي، ياه يا وداد لو تعرفي، ترك عمر بضع كلمات، قالها في حالة استعادة للروح، وقد مر عليها 18 عاماً لكنها تخنقني وتبرّر صمتي، سأظل محمولاً بها يا وداد كي لا أضل الطريق..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.