Archive for the ‘سياسة’ Category

رشيد غُلام: الشِّعر والغناء معًا

14/03/2018

حين تبحث عن اسمه، ستجد، إلى جانب أغانيه ولقاءاته، قائمةً طويلةً أخرى لا تضمّ أعماله الفنية، بل تضمّ سلسلةً من التضييقات والمنع من الغناء. إنه رشيد غُلام، الفنان المغربي الذي ذهب بصوته للوقوف إلى جانب الشعوب. هنا، حوار معه.

لماذا شاع اسم رشيد غلام وليس رشيد الموتشو؟
الوالد اختار الموتشو لأنه دخل الدار البيضاء وهو طفل صغير، وهناك كان المغاربة ينادون الطفل الصغير موتشو، فقام بتغيير كنيته وأصبح هذا الاسم هو لقب في العائلة، لكن رشيد غلام اسمي الفني وأصبح لصيقًا فيّ.

يقال إن الفن في بعض المدن المغربية فيه مسحة صوفية. كيف تراه؟
هناك تنوع في المغرب. مكناس عاصمة فن الملحون، كما أن فاس عاصمة الأندلسي وطنجة أيضًا، وأسفي عاصمة العيطة؛ فن مغربي قديم مرتبط بمقاومة المحتل. أما شرق المغرب فهو مركز الراي لأنه قريب من الجزائر، وفي شمال المغرب عُرفت الطقطوقة الجبلية، والدقة المراكشية في مراكش، والكناوة في مدينة الصويرة والحساني في الصحراء.

غنيت لعدد من شعراء العصر العباسي، لمن وكيف تختار نص الأغاني؟
أنا مرتبط بالنص الشعري الجمالي وأحب اللغة بشكل جنوني، وأكتب الشعر العمودي وبالتالي عندما يعجبني نص شعري أتغنى به، ولهذا غنيت لابن معتوق وابن عربي وابن هانئ والإمام الحراق وابن شعيب الدكالي ولأحمد شوقي ورامي. أنا منقب عن الشعر، وهناك بعض القصائد التي سمعها الناس مثل قصيدة “يا راهب الدير” و”لغة الكلام” للكتبي، و”ولد الهدى” لأحمد شوقي و”البردى” للبوصيري.
تقييمي للغناء العربي يبدأ بشكل أساسي بجمالية النص. وقد كان ذلك من أساسات الغناء العربي، ولا يزال؛ فالأغنية نص، وقيمة النص تبعث على التلحين والتعبير النغمي في الأغنية.

لماذا عُرفت في الغناء أكثر من تأليف القصائد والموسيقى والقطع المسرحية؟ وما هي القصيدة التي تعتز بها؟
أنا أحب الشعر والغناء معًا، لكني موهوب في الغناء. أما الشعر فأنا أكتبه على السجية وأحتفظ بأشعاري ولا أنشرها، وهناك شعراء أفضل مني بكثير، لكني غنيت بعضها، مثل أغنية “عاش الشعب”، في الغناء السياسي، وأيضًا أغنية “يا زهرة العمر” وكذلك “بحبك لا نشقى أبدًا”، وهناك قصيدة وجودية أعتز بها بعنوان “أي سر قد طوى” أقول فيها: أي سر قد طوى هذا الوجود العامر.. نبئوني أنجدوني إن بي وشب الخبال / أي غايات إليها ساقني ركب الحياة .. هل ليسرى أم لعسرى أم لأحيا في ضلال

هل تلحن أغنياتك؟
نعم لحنت أغنية “لغيرك ما مددت يدا” وأيضًا أغنية “عيون عبلة”.

لاحظت أن أغنياتك القديمة مختلفة تمامًا في ألحانها عن آخر أعمالك الفنية، مثل “عيون عبلة” و”طالع يسقط حكم العسكر” و”سجن القداسة”؟
الأغاني القديمة تم إنتاجها في ظروف مختلفة لم تكن تسمح بأي إنتاج كبير، ظروف اجتماعية وفقهية وذهنية في ذلك الوقت، أما الأغاني الجديدة فهي تعبّر عن الواقع العربي، وطبيعة المضمون الغنائي ثوري ويتحدث عن واقع مؤلم، وأيضًا صدف أن الأغاني وجدت من ينتجها وقد مددنا أرجلنا على قدر بساطنا إن صح التعبير. مثلًا، أغنية “عيون عبلة”، لو لم تجد إنتاجًا ورعاية لما خرجت بهذه الصورة، وهناك أعمال كثيرة موجودة على الرف وتنتظر إنتاجًا ورعاية، والمال في المجال الفني صعب. الفكرة الإبداعية تضيق حسب القدرة على إنتاجها.

كيف استطعت المزج بين النزعة الثورية والصوفية والإنسانية في أغانيك؟
ارتبط في ذهن الناس أن ما يسمى بالغناء الصوفي والوجدانيات منعزل تمامًا، وهذا خطاً؛ فمن يعيش هم الله في وجدانه ويكون بهذا الصفاء الروحي، لا بد وأن يعيش الهم الإنساني ويحمل هم الخير والعدل للناس، وتعبيره عن ذلك سيكون بكل الطرق الجمالية الثورية، ولذلك تجدني متنوعًا في أشكال القوالب الفنية، كالطقطوقة والموشح والموال والموسيقى الأوبرالية، وكذلك التنوع في المعاني الروحية والثورية والاجتماعية والغرامية، وهذا ما يلاحظه الجمهور.

هل تنحاز إلى مقام موسيقي دون آخر، كما فعل رواد الغناء والمشايخ؟
بالتأكيد لا. التلّقي الجمالي الذي يحضرني هو الحالة التي أعيشها، وليس الاختيار لمقام محدد. أغني من جميع المقامات وأحبها كلها، وليس عندي هذا القيد، فأنا اعتبر المقامات كتلة هلامية تشكّلها أنت كما تريد، فهي تعكس الفرح والحيرة والوجد والشوق والحزن الذي ارتبط عند الناس بمقام الصبا، والراست يعكس الفرح، والحجاز يعكس النداء.

هل الظروف الاجتماعية والسياسية في السنوات الخمس الأخيرة عززت إحساسك تجاه الفن كقيمة وأعطت دفعة معنوية؟
قوّت إيماني برسالية الفن وقيمته التغييرية، وعززت تشبثي بمبادئي، فلا أبتذل نفسي ولا أبيعها من أجل الشهرة والانتشار، ولا أهين نفسي وأضعها في مكان من أجل أن أكون فنانًا مشهورًا. هل أتصالح مع الأنظمة الاستبدادية من أجل أن أكون فنانًا؟

أي من الفنانين العرب الذين قابلتهم ترك أثرًا شخصيًا وفنيًا فيك؟
وديع الصافي. ربطني به علاقة وطيدة وأعتبره من أساطين الغناء العربي. اللقاء به كان من أجمل الأشياء التي حصلت. التقيت مع لطفي بوشناق وصباح فخري مرات عديدة ولم يخلُ اللقاء من حديث حول الموشحات وكلماتها.

كيف كان لقاؤك بوديع الصافي في بيته؟
كأنه وجد شيئًا ضالًا عنه، وكأنه التقى بحاجة كان يأمل أن يلتقيها وأن تكون موجودة في الوطن العربي. كان حلمي أن ألتقي وديع. حدث وكان اللقاء طويلًا ومؤثرًا وهو مصور، أتمنى أن يبث ابنه ما سُجل خلال الجلسة، حيث بكى وديع.
وديع أعجب فيّ وأثنى عليّ. أن يؤمن وديع بأن تبقى محافظًا على خيارك الفني بالشكل وألا تبتذل نفسك فهذا يفرح، ولكن أغلب الفنانين يقولون إنه يجب أن تلين قليلًا وأن تنتج شيئًا خفيفًا. الفن صار هو الانتشار فقط، والجودة صارت تعكس الانتشار. صار السؤال عن حجم انتشار فيديو ما، ولا تعني القيمة والجودة أحد. أتفه أغنية في تاريخ الغناء مثل “غانغام ستايل”، شاهدها تقريبًا مليارين من الناس. هذه فقاعات هوائية، يراها الناس في وقت محدد ثم تتلاشى، ولا تترك أثرًا؛ فهي لا تربي الذوق العام ولا تعطي قيمة، ولا توقد حسًا معينًا في الإنسان ولا تقدم رسالة للناس وللحياة.
الفنان في العالم العربي يمكن أن تجد له صوتًا ولكن بدون قيمة، وتجد مغنيًا ولكن بدون ثقافة عميقة بما يغنيه. أصبحت القنوات تنتج فنانين مثل المعلبات من دون ذوق. لا يهمني ولا أريد أن أكون فنانًا شهيرًا بأي شكل من الأشكال. سبق وأن التقيت بسماسرة الفن في القاهرة عام 2006، ولو قبلت أن أبيع نفسي باحتكار صوت لأربح الملايين لكنت الآن من الفنانين الشهيرين في القنوات الخليجية، ولكن عندها سأكون مهرجًا، بل مخربًا لأنني سأربي في الأجيال سوء التلقي وقيم أخلاقية سيئة، ولا أريد أن يكون دوري هكذا، حتى لو أجلس في بيتي وأفخر بما أقدمه وحدي.

 

لذلك، هل تريد التأكيد على أهمية وأفضلية الموسيقى الكلاسيكية؟
إذا كان المقصود بالكلاسيكية مرحلة تاريخية، بالتأكيد لا، أنا أقصد الفن عمومًا والقيمة الفنية تكمن في موقفين؛ أولًا، أن يتم مراعاة الموقف الجمالي بحسب مجال الاشتغال؛ فإذا كان غناءً، يجب اعتبار القيمة للصوت واللحن وطبيعة المادة والقيمة المعنوية والأدبية، والقيمة الأدبية يجب أن تراعي فيها التركيبة الشعرية وأيضًا المقاصد والمفاهيم الموجودة والمعاني. ثانيًا، الموقف الإنساني؛ أي ماذا يحمل هذا الفن وماذا يقدم؟ إذا لم يكن الفن بهذين الجناحين فسيكون شيئًا تافهًا مبتذلًا.

الأغنية العربية الكلاسيكية لم تكن كلها تراعي القيم التي ذكرتها؟ بعض الطقاطيق مثلًا عكس ما تقول تمامًا.
هناك أشياء يُحتفظ بها، ولا نزال نحتفظ بالكثير من الأغاني، ولكن هناك أشياء دخلت مع جملة الأغاني. مثلًا محمد عبد الوهاب بجلالة قدره، لحّن أعمالًا متواضعة، ولكن عندما نذكر اسمه لا يمكن أن نقول إن عمله الصغير تافه أو عادي لأنه لحّن أعمالًا كبيرة. حتى أن الأغاني التي تعتبر هفوات يُختلف في تقديرها فنيًا. سيد درويش مثلًا لحّن أغاني ذات قيمة، لكن المدرسة التي أنشأها أعطت لكل أعمال فناني تلك المرحلة قيمة تاريخية؛ لأنهم كانوا في بدايات إنشاء الأغنية والموسيقى العربية بالشكل الذي نحن عليه الآن. ليس كل ما غنته أم كلثوم ذات قيمة شعرية وجمالية، لكن أم كلثوم حالة. أقدر كثيرًا الرحابنة ومدرستهم وما صنعوه بوعي فني وإنساني وسياسي سابق لأوانه، فقد غنوا للعربة والضيعة وللجار وللقمر والليل والوطن العربي والمدن. شيء واحد لم يغنوا له وهو الاستبداد، ولم يغنوا لأي حاكم عربي.

برأيك ما هي الدول العربية التي لم يتم إنصافها فنيًا على مستوى البحث في الموسيقى والتناول الفني؟
الإعلام العربي بدأ من الشرق ولم يهتم بالغرب في العالم العربي؛ فهو لم يهتم بالمنطقة المغاربية كلها، رغم أن فيها زخمًا ثقافيًا وتنوعًا غير موجودين في الشرق، وفيها عمق تاريخي كبير. كثير من البلدان العربية مظلومة مثل اليمن، والعراق أيضًا فيه تراث فني قديم جدًا والناس لا تعرف منه إلا القليل، مثل المقام العراقي؛ أما الشام فالفن فيها معروف، ومصر استنفدت. نحن بحاجة إلى إعادة البحث وتخريج التراث الموجود في هذه المناطق المنسيّة.

من هو أكثر ملحن تعجبك ألحانه وتجربته الفنية؟
رياض السنباطي، لا يضاهى، فهو أفضل من يبني البناء اللحني على الإطلاق وأفضل من يصيغ الجملة اللحنية التعبيرية عن المعنى الموجود في النص. السنباطي أكثر اشتغالًا على قيمة الكلمة. هو متفرّد وكان يجب أن يُدرس بشكل كبير جدًا، خصوصًا الانسيابية الموجودة في ألحانه وعدم تكلفه. السنباطي استطاع أن يحافظ على ما عند زكريا أحمد وما عند عبد الوهاب، وقد جمع بين المدرستين الكلاسيكية والتجديدية. لو كان هؤلاء بيننا الآن لما كان لهم مكان وسط هذا الزخم الموجود، إلى أن يلحنوا أغاني الهشّك بشّك والأغاني الخفيفة.

ما الذي تبقى لنا من فن وألحان الماضي وما هو تقييمك لشكل الحاضر الفني؟
التربية التي تربى عليها المتلقي الآن مختلفة. هناك سرعة في الوصول إلى المعلومة عبر التكنولوجيا، وإيقاع الحياة يجعل الناس تتغير. قديمًا كان التلحين كما يخطر للملحن وليس كما يُقيده سمع الجمهور؛ لذلك أنت لا تلحن الانطباع الجمالي، وإنما تلحن السلعة السوقية التي تريد أن تبيعها. أين هو الفن في ذلك؟ عندما تخالجك اللحظة الإبداعية وتتردد فيها مثلًا، فأنت لم تكن مخلصًا للإبداع. التربية الفنية في السابق كانت ذوقية، أما الآن من خلال الإفلاس الفني الموجود في الإنتاج، صيغت أذن المتلقي العربي بشكل سيئ، بحيث صار لا يقبل إلا ما هو موجود، والعولمة لعبت دورًا في كل هذه الأشياء.

رياض البندك… سيرة لحنٍ منسيّ

13/03/2018

حمزة البحيصي – نشر على العربي الجديد

التصقت الأغنية الشعبية والتراثية بفلسطين، ووصلت القوالب الغنائية الشعبية إلى نحو 14 قالبًا، حتى تبيّن لغير المهتمين والباحثين أن الزخم يحيط بكل ما هو شعبي، وبدا كأن سمة الأغنية تراثية شعبية، وليست فنية. بالنظر إلى قلة البحث الرصين والاجتهاد والتوثيق في قطاع الموسيقى، لا يبدو هذا التوصيف دقيقًا؛ فالبحث في المخزون السمعي وسجلات واحد من الملحنين الفلسطينيين لاكتشاف أثره في الموسيقى العربية، كفيل بنسج خيوط جدية في وجهة النظر الخاصة بتاريخ وشكل الموسيقى في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
حين تُذكر الإذاعة والأغنية الفنية، لا ينفك الحديث بينهما؛ فقد كانت الإذاعة مركزًا لحفظ الألحان وجمع شتات الملحنين، ضمن بيئة عربية واحدة. الخصوصية الوحيدة التي كانت عليها فلسطين هي أن الظروف السياسية والاجتماعية بدّلت في شكل الأغنية وروحها، لكن ما استقر في الذاكرة بعد اندثار الزمن بدا شحيحًا، حتى على مستوى اكتشاف الملحنين والعازفين والشيوخ المدّاحين، فالملحنين والعازفين كانوا كثر في مطلع القرن العشرين وما تلاه، ويُعرف منهم الملحّن رياض البندك ويحيى اللبابيدي، وأيضاً عبد السلام الأقرع، وإلياس شهلا، وجوليا السلطي، وحسين النشاشيبي، وغيرهم الكثير.

خلال الثورات التي اندلعت في الثلاثينيات وقبل النكبة، برز حليم الرومي، وماري عكاوي، وروحي خماش؛ الأخير كانت له تجربة فريدة مبدعة في بلاد الرافدين عبر سماعياته التي أثرْت الموسيقى العراقية، ومنها سماعي النهاوند الشهير، إضافة إلى يحيى السعودي ويوسف البتروني اللذين انتقلا إلى إذاعة دمشق بعد النكبة عام 1948.
اعتمدت الأغنية الفلسطينية الفنية على القالب التقليدي في بنائها، حافظ الملحنون على بساطة التعبير، خصوصًا أنهم لحّنوا كثيرًا من المرثيات؛ فكتب وقتها الشاعر الشعبي نوح إبراهيم مرثية الأبطال الذين قاموا الاستعمار البريطاني في مطلع الثلاثينيات. وحين وقعت حرب عام 1948، عاد المزاج الفني إلى حالته الثورية التي لم تنقطع، لكنها كانت تتأثر بظروف الغربة والحنق؛ فعُزف وقتها أغنية، “هز الرمح بعود الزين” وتلاها في الشطر الثاني سؤال لتثبيت الهوية “وانتوا يا نشاما منين؟”، وصار الحديث عن البطولة وسلاح الثوار والهموم بدل الحب والمغازلات والحياة الوردية والمزاج العالي، حتى أن الموسيقى في ما بعد، أي وصولًا إلى الانتفاضة الأولى، حملت معها لون النضال المعبّد بحب الأرض والعفوية في التعبير عن الهوية الوطنية والأسى الدفين، وعبرت عنها الدلعونة وغيرها.
لكن، رغم هذا، لا يمكننا إغفال الحركة الموسيقية الفلسطينية قبل الـ 1948. هنا، سنقف عند تجربة رياض البندك (1924 – 1992)، الذي صادفت ذكرى رحيله السابع من الشهر الجاري.

البداية في الأرض المقدسة

هو رياض بن عيسى بن باسيل البندك، كان أحد رواد الأغنية الفلسطينية في مطلع القرن العشرين، ويستحق أن نفرد لجزء من مخزونه الموسيقي الضائع، مساحة تُذكر في التاريخ الفني الفلسطيني. درس الموسيقى في مدرسة “تراسنطة”؛ أي “الأرض المقدسة” في القدس مطلع الثلاثينيات، والتي أسسها الآباء الفرنسيسكان حسبما أورد كتاب “التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 – 1948” للمؤلف وليد الخالدي، وتأثر بوالده عيسى البندك، رئيس بلدية بيت لحم وصاحب جريدة “صوت الشعب”، وعلى إثر صيت والده وأيضًا موهبته الشخصية، ساهم البندك الابن في تأسيس إذاعة صوت العرب في مصر، وإدارة وتنظيم أقسام الموسيقى في إذاعات عربية أخرى، مثل إذاعة دمشق التي شكل فيها فرقة موسيقية وضم إليها أشهر العازفين، من بينهم فريد السلفيتي وعبود عبد العال وسليم سروه وميشيل عوض.
في إذاعة القاهرة، سجل لحن أغنية “تحية عرب فلسطين إلى أرض الكنانة”، وهي من كلمات ابن مدينة يافا الشاعر والصحافي سعيد بن جرجس العيسى، لكن هذه الأغنية غير متوفرة وتحتاج إلى جهد بحثي للعثور عليها، كما أنه قابل جمال عبد الناصر الذي أبدى إعجابه بفن البندك ويقال إن حدث وفاة عبد الناصر حال دون إتمام لحن لأم كلثوم مقدم من البندك.
لم تكن مدرسة تراسنطة مرجعًا وحيدًا للبندك، بل يذكر أيضًا أساتذته الذين تتلمذ موسيقيًا بإشرافهم، مثل يوسف البتروني ويحيى اللبابيدي، أما فاضل النمر الذي كان مدير مدرسته؛ فقد كان له تأثير عليه رغم اعتراض والده. يقال إن النمر عازف كمان، لكن ليس للأمر أي دليل رسمي موثق كي نتعرّف إلى تجربته. وقيل إن والده كان مناضلًا شديد الشكيمة، لكنه وقف ضد تسديد ابنه ضربة حظ فنية في حياته، إلا أن البندك الابن لم يتنكر لإحساسه وقد جاءت النتيجة بحجم موسيقار وأكثر، فهو التقى بالفنانة فايزة أحمد، وبعد أن اكتشف جمال صوتها، لحن لها موشحًا “امسحوا عن ناظري كحل السهاد”، من كلمات الشاعر ابن هانئ الأندلسي.

من خلال العلاقة الفنية التي جمعت رياض البندك بفايزة أحمد وإصراره على تقديم طوق النجاة لها لخلق بيئة جمالية فنية يزهو بها الاثنان، تعرفت إلى المعنى الحقيقة للتكامل بين الملحن والمغني في مسألة اكتشاف النغم وأبعاد الصوت، التي من خلالها يبرز عنصر التكثيف اللغوي عبر الكشف عن الجمال في العُرب، والسيطرة على القطعة الموسيقية حتى من خلال توارد الأفكار التي لها علاقة بكمالة العيش الواحد بين فنانين أشقياء في حالة فنية اجتماعية، وكم كانت خجولة فايزة أحمد.
روح هذا الموشح الأندلسي وحاله ينطبق تمامًا على حالة فايزة ويتسق مع إصرار البندك على تبنيها. يقول إنه كان يقسو عليها، لكنها تفوقت وأصبحت فايزة التي نعرفها بأغنيات كثيرة، مثل “يما القمر عالباب” و”أنا قلبي ليك ميال”، الأغنيتان اللتان لحّنهما محمد الموجي.

مخزون موسيقي وألحان مفقودة

تأثر البندك بالمناخ الموسيقي؛ فراح يلحّن موشحًا آخر، كما تقول بعض المصادر، للشاعر الفلسطيني، ابن مدينة حيفا، حسن البحيري، يقول فيه: “أنت طيف أحسه في الأماني، يا بعيدًا وأنت في وجداني”. هذا الموشح من بين الموشحات التي نبحث عنها، إضافة إلى أغنية “مسكين الطير غنى” التي لحنها أثناء ذهابه إلى امتحان موسيقي في الإذاعة الفلسطينية، وكان من بين الحضور الملحن يحيى اللبابيدي، لكن هذا اللحن أيضًا لا يزال من مفقودًا.
كان الفنان الكوميدي والشاعر الغنائي الموهوب نجيب نجم قد كتب كلمات أغنية “يا عيني عالصبر” بعد هزيمة عام 1967، والتي غناها وديع الصافي ولحنها البندك على مقام الهزام، فرع من فروع مقام السيكاه. ربما اختار البندك هذا المقام الشفاف لما فيه من رقة في العاطفة، ومنه راحة الأرواح بدرجة ركوز على “مي نصف بيمول”. وفي الأغنية يبرز مقام الصبا أيضًا؛ حيث يختمر الحزن كي يدل على النكسة، بل وفيها انتقالة موسيقية جميلة وفارقة عند جملة “يا ليل الصبر يا مسهر دموع العين، أنا ملاح وتاه مني سوى شطين.. مصير الصبر حيوصل مراكبنا، ونتقابل أنا وانت بحبايبنا”.

خلال رحتله بين عواصم المدن العربية، بيروت والقاهرة ودمشق، لحّن البندك لأحد مؤلفي الأغاني، حسين طنطاوي، قصيدته “هلموا هلموا شباب العرب، إلى المجد والمجد للأقوياء.. إذا ما اتحدنا بلغنا الأرب، وعند السماء رفعنا اللواء”. هذه الأنشودة الوطنية قدمها في إذاعة صوت العرب، إضافة إلى نشيد “نداء العروبة” الذي كتبه السوري عبد السلام العجيلي، ويقول فيه: “السهول والرُبا رددت ندانا.. حين جردنا الظبي نفتدي حمانا”. لحنها البندك على مقام العجم، وهي مقطوعة لها رهبة تشبه بعض أجزاء سيمفونية بتهوفن الخامسة. كما أن للبندك مجموعة ألحان غير متوفرة مثل أغنية “آه من عينيك” وهي الأغنية الأولى التي قدمها في أول حفل له في مدينة دمشق، وقد حفظتها ماري جبران وذاع صيتها في بيروت وتم تسجيلها في الإذاعة اللبنانية.
شاعت ألحان البندك بين قامة من الفنانين، فصاحب أغنيات “الناس المغرمين”، و”ساكن في حي السيدة”، و”جميل وأسمر”، الفنان المصري محمد عبد المطلب، غنّى أيضًا “تسلم إيدين اللي اشترى”، وهو اللحن الذي وضعه البندك، رغم أن كثيرًا من المصادر غير الدقيقة تقول إنه لحن لمحمود كامل.
كما قدم ألحانه لفنانين آخرين، مثل محمد قنديل، وزكية حمدان، وكارم محمود صاحب أغنية “عنابي”، وكان من بين أجمل ألحانه “يا من سقانا كؤوس الهجر” التي غنتها فاتن الحناوي، وأغنيتي “زي الطير يا حبيبي بتهجر” و”إمتى الهوى ينصف حبيبين” بصوت سعاد محمد. وكذلك لحّن لنور الهدى “مزيدًا من النور يا خالقي” للشاعر المصري محمد إبراهيم نجا، التي تتضح فيها النفحة الروحانية، إضافة إلى “ويح قلبي”. ألحان البندك كثيرة وشروحها من ناحية فنية ربّما يُفرد لها موضوع قائم بذاته، بحجم إنتاجه الفني لما تضمنته ألحانه من تحويلات نغمية واختيار حريص للمقامات الموسيقية.

حوار فقير لمجلّة الذخيرة عام 1964

بعدما ذاع صيت البندك، أجرت مجلّة “الذخيرة” الأسبوعية، التي صدرت عام 1946، حوارًا مقتضبًا مع رياض البندك، من ثلاثة أسئلة فقط، وهو الحوار الوحيد الذي نعثر عليه في الصحافة الفلسطينية منذ مطلع القرن العشرين مع هذا الموسيقار.. كان يرى الفن فريضة، كأنه في قدسيته الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه، حيث كان يرغب في أن تلامس الموسيقى الشرقية مشارق الأرض ومغاربها، وأن تتشنف لها آذان البعيد والقريب.
أراد البندك أن يقول إننا نستسيغ الموسيقى الغربية، فما بال أنغام الشرق، لكنه لم ينكر الكسل الذي اعترى قسمًا من الموسيقيين المحافظين، الذين كانوا يرفضون تمامًا أي تجديد أو زيادة على الموسيقى العربية. كان يرى في ذلك تفكيرًا رجعيًا مؤلمًا. هذا الإحساس بالتغيير كان في نفس الشيخ سيد درويش، لكن الأخير رحل وبقي دور “أنا هويت وانتهيت” من أجمل ما لا يمكن العبث به؛ حيث يرقد مقام الكرد الذي يتجلى في أغنية “نسم علينا الهوى” للسيدة فيروز، وكذلك “حيرت قلبي معاك”، إحدى روائع أم كلثوم. في حديثة، يعترف البندك بما أصاب الأغنية الفنية في فلسطين من مقتل بسبب الظروف السياسية، إضافة إلى غياب المعاهد الموسيقية، لكن الأمل كان يتملكه وقد أمسكه بيديه وعزف به على عوده كي يبقي لنا أعذب الألحان المحفوظ منها والضائع.

عن المفاهيم والدلالة

13/03/2018

المفاهيم الاجتماعية والسياسية دائماً تشغل الباحثين، مثلاً، الرقي، الحرية، العقلانية، العدالة، التراث، الثورة، الفساد، الرجعية، الفوضوية.. إلخ ودائماً يطرح السؤال، ما أصل المفاهيم؟ وكيف تنشأ ويتم تبنيها؟ ولماذا وكيف يتحمل الباحث مسؤولية طرح المفهوم ليس كمصطلح إعلامي بل كأسلوب وثقافة في المجتمع بالمعنى الغرامشي؟ مثلاً كيف يتعلم الإنسان الوعي والرقي سيكولوجياً؟ وما علاقة الأمر بالمجتمع؟ بمعنى آخر، هل المفاهيم حالة مصطنعة منمقة أم إنسانية كيميائية؟
أولاً، لغة الفكر والعلم سيرورة تاريخية ولكن مع تطور المفاهيم عكف الباحثون على التدقيق والتمحيص في جدوى كثير من الثنائيات مثل “الدين والتاريخ – مثلاً، فشل الإخوان ثم ندبهم عبر استعارة مظلومية طائفية” و “السياسة والاقتصاد” الدناءة في استعارة أي اتهام للناس لصناعة الأهمية والجدوى وتكريس المصالح ولغة الأنا”. يعني مثلاً في حقل تاريخ وأنثروبولوجيا اللغة سنجد تماسك سياسي واجتماعي في ابتكار المفاهيم وهذا ملحوظ في لغة سوفوكليس وأريستوفان في اليونان القديمة واللغات الأخرى السريانية والسومرية والآشورية.. إلخ
يدور حديث مستمر حول المعاني السيكولوجية لتطور المفاهيم والعلاقة مع الدين والتحولات الاجتماعية والسياسية، أكثرها نقاشاً “ما بعد الحداثة” أو الترامبية في صياغة مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية والسياسية.
وصلت إلى ما يشبه الخلاصة، ولكن المسألة بحاجة إلى طرح أوسع وأدق، وسأضرب مثالاً ميكافيلياً في واقعيتة. يقال عند العرب، مات مقهوراً، هنا القهر بوصفه مرض قاتل، ولذلك فإن ما يحدث في الشرق الأوسط الآن من قهر هو صناعة “متقنة سياسياً” للمرض، وهذا في حد ذاته يؤسس لبيئات قلقة مضطربة، أما تأثير القهر في البيئات الواعية فهو غالباً يؤسس للأفكار والمعاني الحقيقة، مثلاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس التاريخية تزامناً مع ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، هذا “زلزال قهر” للوعي الجمعي العربي واستخفاف به في ظل العجز المعبر عنه في لغة المصالح الدولية والإقليمية وتضارب السياسات المجحفة. وهذا ما أوصلنا إلى حالة يطلق عليها اسم “القهر السياسي” أو “قهروسياسية”، على غرار “نيوليبرالية” أو “اللاسلطوية” أي شكل السياسة بوصفها عجز مطلق يصحبها عملية ردع مستمر لفترات طويلة. ببساطة لأن الواقع في العالم العربي يتجاوز حالة المفهوم التقليدي للسياسة وقواعد العلوم السياسية، وما أقصده يختلف عن شروحات فرانز فانون وحنة أرندت عن العنف والسياسة. الأمر أوضح في المسألة السورية حيث تدويل الأزمة في المحافل الدولية عبر ألاعيب فوضوية لأهداف شخصية وجيواستراتيجية وشبكة علاقات مصلحية تلعب على وتر التخريب وهنا يتجلى القهر السياسي وينعكس صورة اجتماعية على الأبرياء.
تجربة أركون ومنهجيته البنيوية في مجال أنسنة الفكر، أوصلتني إلى نتائج، منها أن العالم العربي صار يفتقد إلى ما يمكن تسميته “الانسيابية الاجتماعية” وحتى الذوات الفاعلة صارت محكومة لعوامل وأدوات نسف الوعي وقتل الفكر وخداع واستغلال الإنسان من أجل التكريس للصنمية. الأهم إنه فيه مسألة جدية يجب الاتساق معها وتكريسها بوضوح، وهي توسيع دائرة عملانية المفاهيم عبر الاشتغال أكثر على أنسنة الوعي بعيداً عن ثقافة الوعظ الديني والوصاية على الآخر.
طبعاً هذا كله لا يتنافى مع القناعة بمقاومة الاحتلال والدكتاتوريات العربية وردع الظلم حتى لو بخسارة، فالحق لا يجيزه أي باطل، لكن القتال المحمول بنزعات انتقامية وليس فرض عين أو كفاية “ولذلك شروط” بقصد الجهاد، فهذا يسمى ثأر بغرض الإذلال والانتقام وهو بالضرورة يؤسس لأنظمة وفكر شمولي وله تبعاته. كمان الاستسلام لبشاعة الواقع بحد ذاته هو انعدام مسؤولية والاندفاع بدون وعي جمعي دليل عجز وتهلكة.

ثلاث أفكار وملاحظة

13/03/2018

هناك انشغال دائم حول جوهر “الوعي والثقافة” وعلاقتها بالحقيقة أو “الواعي والمثقف” وحقيقة ما يفكر فيه ومكانه وزمانه أو حتى التجربة التي شكلت آراءه الفلسفية والواقعية. الفيلسوف الروماني إميل سيوران ذهب إلى خلاصة فقال إن الوعي منفى. الأمر ذاته نقله الأكاديمي والمنظّر إدوارد سعيد بمعنى آخر وقال المثقف الحقيقي غريب أو خارجي يفرض على ذاته المنفى على هامش المجتمع. جاء المفكر عزمي بشارة، وأشار في كتابه الثورة والقابلية للثورة أنه لا يفهم ما معنى كلمة “حقيقي”. وأوضح بشارة، أي الحقيقي في هذه الحالة تعني عكس الكاذب أو عكس المزيف. وأن درجة الحقيقة والتزييف لا تعتمد على كون الإنسان خارجياً أو منفياً ذاتياً وإنما تعتمد على تعريف المثقف لنفسه ومدى التزامه التعريفات.
التدقيق في المعاني يدلل على أن الوعي “سيكولوجياً” يظل في حد ذاته ناقصاً وغير مكتمل مهما كان جذره أو نتيجته، ولا يتأكد إلا بقيمته، لأن الحقائق هنا تخضع للشك واليقين، كما أن الحقيقة الجازمة ليست مطلقة، مثلاً البعث والنشور في النص القرآني أو الجهل بأمر الروح واعتبارها مؤجل والكثير مما يعتبر يقينيات.
في قاموس “لسان العرب” يذكر أن الحقيقة هي ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وقيل بلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه.
نحن نعرف أن هناك حقيقة يقول بها الدين وحقيقة تقول بها الفلسفة.. يعني الحقيقة الدينية “وحي مرسل ومعجزات وأساطير.. إلخ” والحقيقة العلمية “عقل يفكر وتجارب واستنتاجات..إلخ”
برأيي، حين تُجمع الحقيقتين تصير الحقيقة مزدوجة “هنا ازدواجية الحقيقة، إما أن يكون وصولية ومراوغة أو تنوير وتجديد”. الأمر يخضع للجدوى “الحاجة” والاتقان “الحجة”، وهذا ينطبق على فلاسفة الشرق والغرب.
في مثال يعبر عن فهمه لمعنى “الحقيقة الدينية” يقول المفكر علي شريعتي “إن الكافر يغطي على الحقيقة في قلبه لأسباب وعلل كالجهل والانتهازية”. هذا قول فيه سجال أصلاً وتداخلات حول مفهوم الوعي وكيف تشكل “الظرف الاجتماعي” وماهية الحقيقة وخصائص الإدراك وكيف يؤمن الإنسان وكيف يكفر!
المثال الآخر حول مفهوم الكمال مثلاً “كحقيقة دينية” أورده الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في كتابه اللاهوتي “أفكار” حيث قال إن الهوة اللامتناهية لا يمكن أن يملأها سوى موضوع لامتناه ولا يتغير، يقصد الله وحده. هنا يقع نقاش آخر، حول الوعي ودورته ومداه، وهذا إما أن يأخذنا إلى نرجسية الإنسان كحالة فخر وقوة لا تقهر، تؤرقه الخطايا وبذلك يفتح صراعاً مع عديمي الإحساس لإثبات قيمة ما، أو يدخلنا في دوامة العدمية التي هي تلقائية في حد ذاتها، أي تتلبس الإنسان، وبالتالي يصير من يتبنى مفاهيم مثل الدفاع عن الوطن واستعادة الحق، لا يلتقي أبداً مع مفهوم العدمية والعدميين؛ ليس لأن هذا تناقض واضطراب في التفكير، بل لأن العدمية في جوهرها تنسف معنى الشعور بالأشياء ويصير الانتماء للفراغ هو الأصل، وحين تصير علاقة الوعي بالفراغ واللاقيمة علاقة تراكمية، هنا تتجلى العدمية، وأيضاً لأن أي صراع بالنسبة للعدمي سيكون عبثياً وليس له منطلقات قيمية أو أخلاقية سواء كان منبعها الدين أو الطبيعة.
حتى أن هاروري موراكامي وفي روايته جنوب الحدود غرب الشمس.. يقول حول كفاحه ليصبح شخصاً آخر كي يتمسك بحياة جديدة يظن أنها جزءاً من عملية النضوج يقول إنه لا يملك الحق ولا يملك ثقة لربح القوة الكامنة في داخله”.
لهذا كله أنا أقر أنني أنتصر للهشاشة حين يتعلق الأمر بالحقيقة ويُترك للأقوياء دماء الجاهلية.

إغراء فلسطين بحالها

14/02/2013
سوق على الدولة

سوق على الدولة

هكذا عندما تتكلم عن فلسطين لن تنتهي دائماً إلى نص مهذّب، فعملياً الفلسطيني لم يواجه الفوضى، ولم يبحث عن العلل، هو ينجذب للعشوائيات أسرع من التصاق المغناطيس ببرادة الحديد، لذلك فإن إسقاط نظريات علم النفس الاجتماعي على الحالة الفلسطينية، حتماً سيعطي نتائج غير طبيعيّة، أتحدث هنا عن البلادة كميكانزم للدفاع عن الذات وصوابية القرارات والأفعال الفرديّة والجماعيّة، بعد أن غدا جهد الفلسطيني متمركز حول مهمّة واحدة، هي المحافظة على المال السياسي الذي يهون بعده كل شيئ، الكذب، والنفاق، والفهلوة، وأعطني راتبي أطلّق لك حناجري، وإذا هتف الفلسطيني لكل الفصائل في آن واحد، فليس من باب الوحدة الوطنيّة ورصف الأشياء، أكثر منه للحاجة، هو يعتبر ذلك ذكاءاً، وأعتبره خبثاً لولاه ما كتبنا ولا علّقنا.

هذه مقدمة ربما تكون نافعة لأتحدث بعدها عن التكتليّة التي لم تكن هي الأداة الوحيدة الفاعلة في التعبئة لدى حركة فتح وشبيبتها، بل أُعلن عن تشييد المال السياسي كصراط فتحاوي مستقيم، أو نهج أبدي أقرب إلى الغاية منه إلى الوسيلة، فبدا التحوّل كمن يضع العربة أمام الحمار راجياً منه السير.
هذا صحيح، حركة فتح لم تكن فقيرة على الإطلاق، ويمكنك من خلال قراءة أعداد موظفيها وأعمارهم، أن تعرف بأن غناها كان أداة هامة في استمالة طاقات الشباب، وازداد ثراءها بعد اتفاق أوسلو بفضل المال الدولي الجاري في نهر السلطة الوطنية، هذا المال كرّس لدى أنصار فتح مسألة الحق في مكافأة مالية بعد سنوات من مناكفة إسرائيل ودليل ذلك، صورة بالجاليلو مع بوت الفورزا، لا زلت معلقة في صدر الدار، تُذكّر كل زائر للبيت الفتحاوي بالأيام الخوالي، صورة نمطيّة مستمرّة إلى يومنا هذا، جرّب وتحدث مع فتحاوي، سيُخيل إليك ثائراً شقياً، كبانشو فيلا كامناً لآلاف الجنود في الأحراش.

تسأل مناصراً لحركة فتح حول المسألة الفلسطينية، خلاصة حديثه: “فتح أول كل شيئ، الرصاصة والحجر والباقي، لذلك واجبنا أن نرتاح، ونحمي شعبنا، ونوفر له الأمن”، جملة “شاركنا في الكفاح المسلح” غالباً ما يتبعها جملة شرطية استنتاجية هي “من حقنا الحصول على مكافأة”، رغم أن ابن العشرين الذي يطالب بحقه باسم مشاركته في “الكفاح المسلح”، كان في مهده عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، بعضهم لم يكن مولوداً أصلاً، والذي شهد اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، كان على شفا مراهقته في صفوف الشرطة، فلا تعرف أي كفاح مسلح المقصود.

وزد على ذلك، أن أنصار الأحزاب الفلسطينية مُدرجون في قوائم كاملة، يتم ضبط مسائلهم “بالمساعدات”، فأن يقدم الحزب كابونة زيت وفاصولياء، غير أن يقدم وظيفة براتب شهري، وهذا ما يجعل الأحزاب توّاقة دائماً لقياس نسبة الإستمالة لدى الناس، بعد كل توزيعة مساعدات، يسميها الفلسطينيون “كابونة”، متعلقون بها إلى حد بعيد، بهذه الطريقة يتحكّم الحزب في حجم ونوعية “الكابونات” التي يتم ضخها في المخيمات، المثال الأقرب حول طبيعة المنافسة بين الأحزاب الفلسطينية لتأطير الناس واستقطابهم، كان في مرحلة السبعينات التي شهدت نشاطاً يسارياً على المستوى الثقافي والإجتماعي وحتى العسكري، هذا الصعود سبّب غيرة لدى منتسبي حركة فتح، على إثر ذلك تأسست لجان الشبيبة للعمل الإجتماعي، المعروفة حالياً باسم “الشبيبة الفتحاوية” هذه حاولت تعويض تخلّف فتح في مواجهة اليسار الفلسطيني، فاشتغلت على تقديم المساعدات والنشاطات الجماعيّة، بدل أن تهتم بالتدريس الأيديولوجي، لتناطح رأس اليسار المكتنزة بأشياء كثيرة، ولكنها رغم ما سبق، تغلغلت بسرعة وسط الجماهير، وتنوعت المساعدات حتى صار لفتح سلطة وطنية، وأصبح لا شيئ يضاهي إدراج اسم مواطن في كشف دورة عسكرية، أو تدبير تفريغ أمني له على أحد الوزارات، مساعدة كهذه كانت بحاجة لصاحب نفوذ في السلطة، وهي بالنسبة للمواطن تأمين لمستقبله، وجيد جداً القول بأن الجبهة الشعبية لم تصبر على دوام فقر أبناءها فكسرت الجرة.
لا تعتقد أيها القارئ ، بل تأكد أن ياسر عرفات وأعوانه ارتاحوا بعد ابتلاعهم تدريجياً أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وهضمهم في أجهزة الأمن، أصاب عرفات الهدف، ونجح في إبعاد جيل كامل عن دائرة الاهتمام بعنوان “التحرّر الوطني والقتال ضد إسرائيل”، تحوّل الجميع إلى شرطة ومخبرين تابعين للسلطة الوطنية، تحت إطار امتداد التبعية للقادة، وضبط كافة المسائل، وخاصة العسكرية منها، وإن كان توزيع الأدوار انتقائي إلى حد بعيد، فمناصب الوافدين ومراكز نفوذهم ليست عاديّة على اعتبار أنهم قادة تحرير وطني واستقلال ذاتي، اقتصادياً، امتلك هؤلاء رؤوس الأموال، وأوراق اللعب في التجارة مع إسرائيل بعد أن تأسست السلطة الوطنية.

في أواخر التسعين، انتقل أبناء حركة فتح إلى مرحلة الصفقات الكبيرة، وتحديداً “بعد قدوم السلطة بأربع سنوات”، حيث أصيب سكان غزة من منتسبي الأجهزة الأمنية بعدوى التجارة، بنظرهم إلى حال الوافدين وأيديهم الطائلة، وبالغيرة مع قليل من العلاقات العامة، أصبح لعدد منهم أنشطة اقتصادية، فكان العسكري صباحاً في مركز الشرطة، يمارس عمله كملازم ثان في المخابرات العسكرية، وفي المساء يدير محلاً للعطور والملابس الحريمي، وبهذه الطريقة، بدأ واستمر عقد الصفقات الكبيرة بين فلسطينيي الداخل والخارج، وحّدهم وجمع شملهم “البزنس” أكثر فأكثر.

في المحصلة، استجاب الكل لإغراء السلطة، وبعد أن كان الفلسطيني دائم النزاع مع أقرانه على القدرات الأمنية، وتبني الأعمال “النضالية” الفردية ضد إسرائيل، صار التشاجر والجدل حول الرتبة العسكرية وأحقيتها، والترقيات والعلاوات الإجتماعية، وقد تصدّرت هذه الإشكاليات المشهد الفلسطيني، كنت ترى شرطياً محتجزاً على خلفية تطاوله على ضابط في وزارة الداخلية، والسبب مناكفة حول استحقاقه رتبة عسكرية أخرى، سيزداد على إثرها الراتب الشهري، ويشار هنا أن دمج الفلسطيني الوافد مع أولاد المخيمات أثار صدامات كثيرة، ففي جو من عدم التفاهم، يتعاير الطرفان، ويريد كل واحد أن يُحترم حسب مكانته السياسية، وحجم عائلته، وماضيه النضالي.

أسلوب الحكم الذي اتبعته حركة فتح أثار سخط الأحزاب الفلسطينية الأخرى، بسبب التوزيع المالي ومراكز النفوذ، ولكن كان يرضي هذه الأحزاب تفريغ قائمة من شبانهم في دورة عسكرية، ويقابل ذلك دعوات أمهاتهم لرئيس السلطة بالانتصار على إسرائيل! أما الذي لم يتخلى من حركة حماس والجهاد الإسلامي عن مناكفة إسرائيل، فسرعان ما لجأ للسلاح، وشن العمليات في الداخل الإسرائيلي، كان ذلك قبل أن تقرر إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري، حينما كانت ترد بفرض حصار إقتصادي، فيتوقف العمال عن الذّهاب للعمل داخل ما يعرف بالخط الأخضر، ويبدأ وخز قيادات السلطة لكل من منحته راتب شهري، للوقوف والتصدي لأتباع الحركات الإسلامية، على اعتبار أنهم مسؤولون عن تعطيل العمال تحت شعار “العبثية” الذي يكرره محمود عباس في خطاباته، من هنا بدأت الأفعال النديّة والصراع المجتمعي والحزبي الذي كان يعرف مفاتيحه ويسيطر عليه ياسر عرفات من خلال المال، وبالشعارات الوطنية (مقال سابق عن عرفات)، ولهذا السبب يترحّم عليه كل فلسطيني عند الحديث عن الوحدة الوطنية، دون النظر لتفاصيل وجذور المشكلة ليكتشف الجميع أن عرفات مؤسسها، بغض النظر إن كان أحدكم يفكّر بعرفات كنبي آخر من أنبياء القرن العشرين الجدد.

في الفترة ما بين اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، وسيطرة حماس على السلطة بغزة عام 2006، تلاشى الإحساس بالمنطق الوطني لدى أبناء الأجهزة الأمنية، وحَدَثَ على سبيل المثال، أن قام جندي في الأمن الوطني بتناول نصف ملعقة ملح في أحد مواقع الأمن، كي يرتفع ضغطه، ويحصل بعدها على إجازة لأسبوع كامل، أو كما قال لي آخر “أذهب لموقع الأمن كي أشرب إبريق الشاي، وآخر الشهر أكافئ عليه براتب، أليس في البيت شاي أيضاً!”.

النتيجة أن فراغ ميزانيّة السلطة، يسبب حساسيّة عالية لدى جيل الرواتب، وقد يصل الأمر حد تقلب مزاج أحدهم، واعتداءه على زوجته أو أحد أبناءه، إذا ما تأخر راتبه، وحدث أن طلق شاب في أحد محاكم غزة زوجته بسبب تأخر راتبه وتراكم ديونه، بعد أن قرر الزواج بناءً على وظيفته في الشرطة وراتبه الشهري، هذه خلاصة طموح السلطة الفلسطينية وفق مشروع أوسلو، وقبلات ياسر عرفات، المشروع الذي صار لاحقاً “دولة” تعيش أزمة رواتب منذ 6 سنوات.
لهذا السبب فضّل عدد كبير من منتسبي الأجهزة الأمنية، مؤخراً هجرتهم وبقائهم في أوروبا على عودتهم لتقاضي راتبهم الشهري، ورحّبوا بفصلهم من وظائفهم على اعتبار أن الراتب غير مضمون على المدى البعيد.

همّش طابع حركة فتح الإصطفائي شرائح واسعة في المجتمع، فلم يكن عينها على العائلات التي ينام كل أفرادها في غرفة واحدة، تفتقد لأدنى الشروط الصحيّة، ولم تقبل في أجهزتها الأمنية هؤلاء المقيمين في مساكن سقوفها من الصاج والأسبست، فكان الممسك بالسلطة يحابي العلاقات الشخصية، وظل المحروم يربط وضعه الإقتصادي اليتيم بوصفه خاضعاً للإحتلال، في محاولة للترفّع عن حجم ومكانة عائلته في المجتمع.

ظلت رؤية الناس هكذا تنحدر أكثر باتجاه تحويل علاقتهم مع أحزابهم إلى مسألة تجارية، دائماً يُستثنى منها أبناء الطبقات الفقيرة، هؤلاء الذين تم إقصائهم ورفضتهم حركة فتح، رحّبت بهم حماس فور بسط سيطرتها على قطاع غزة، حينما بدأت تؤسس أجهزتها الشرطية، وكانت بحاجة إلى أفراد أمن يتصدّرون المشهد كبديل عن كتائب عز الدين القسام، الذراع المسلح لحركة حماس، فتولّد لدى هذه الشريحة التي همشتها حركة فتح، رغبة بالانتقام، عززها استقوائهم بالجناح المسلح لحماس، لهذا السبب يتضح ولاءهم وطاعتهم لها، وهكذا يتطور الكيان الإجتماعي الفلسطيني، من فتح إلى حماس.

ازدواجية اللغة ونقد ابن نبي

28/01/2013
فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

نعم سينتهي احتلال إسرائيل، وتصير اللغة السائدة في فلسطين هي العبرية، أقول لك صباح الخير تقول لي “بوكر توف”. لن نكون أكثر وعياً ونخبوية من الجزائر، عادوا وتشبثوا بالأندلسي النموذجي، وأرجعوا المندولين والكمان وآلة القانون، هذا صحيح، لكن أشياء أخرى بقيت على حالها بعد الإستعمار، اللغة الفرنسية مثلاً بقيت مهيمنة، يتكلم بها نصف السكان رغم نضال “بن باديس” رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر، ولست أتفق مع نضاله آنذاك تحت شعار: “الإسلام ديننا – والعربية لغتنا – والجزائر وطننا – ضد الفرنسة والتنصير – والاندماج والتجنيس”.
فالإسلام ليس طابو مملوكاً للجزائر وابن باديسها، ولا العربية حكراً على المسلمين من العرب، أو كما كذب كثيرون قولاً فخصصوها لغةً لأهل الجنة، فقد تجد واحداً يهوى الغناء العربي الكلاسيكي، وقرر اتقان العربية، لذا فازدواجية اللغة ليست وزراً سيُدخل صاحبه النار، ولا يعني الاستيلاء وبالضرورة استبدال لغة بأخرى، وأكثر من ازدواجية اللغة والتجنيس والإنسلاخ، أنا مع اللاجغرافيا، وذلك مستحيل عملياً، ولكني أعتقد القول: فلان من “جغرافيا الجزائر”، لا “وطنه الجزائر”، وليس حدوده شمالاً البحر المتوسط، فليس البحر حدود، هو بحر، طبيعة وجغرافيا، وذلك من منطق الكزموبوليتانية في الجغرافيا البشرية.

قد لا نكون مع الازدواجية من منطلق “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”، ولكن من زاوية دراسة وفهم اللغات كعلوم، حيث وراء كل لغة حضارة، وهو ما أكده مالك بن نبي حين اعتبر مثالاً أن دراسة الأزهري علي عبد الرازق في جامعة أكسفورد البريطانية، لم تحرره من الكلاسيكية المزيفة بعد الموحدين، بل تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي، وأشار أن الإنشقاق الذي أدخلته ازدواجية اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي، ليس فقط ذات طابع جمالي إنما هو ذو طابع فلسفي وأخلاقي.
مرحباً بازدواجية اللغة، إذا كانت تُحدث انشقاقات “فلسفية” ستخلق نشاطاً إنسانياً إيجابياً، وفضاءً معرفياً، وأما “الأخلاق” فلا أدرِ كيف يمكن أن تسبب لغة أخرى، انشقاقاً أخلاقياً، أنت عندما تتعلم لغة ما، وتجرف معها ثقافة أفرادها، فهذا ليس فيه انشقاق بل لجوء ورغبة في الأشياء، هذا لا يحدث دون الشغف كقوة خفية تبني شخصيات إنسانية تمتلك أدواتها، وقادرة على رفع مستوى الثقافة والعلم.

مثال آخر لابن نبي، يتحدث فيه عن ازدواجية اللغة، يصفها بالديناميت الذي قُذف في المجتمع الجزائري، وأحدث انشقاقاً، فيقول أن ذلك أظهر جماعتان من النخبة، واحدة تتكلم العربية وتحاول استرداد الأصول الإسلامية بزعامة بن باديس، وجماعة تتكلم الفرنسية مثل البربرية والتقدمية والوجودية والماركسية، وتحاول أن تخدم سماتها ونفسها “يقصد أنها لا تخدم الدين الإسلامي كجماعة بن باديس”، ويخلص بعدها إلى نتيجة أن الجماعة التي تتكلم العربية بقيادة “بن باديس” لم تنجح في إرساء اتصال بين الروح الجزائرية، والتقاليد الأصلية للسلف الصالح “لاحظ معي موقع كلمة روح مع جزائرية، وكلمة تقاليد مع السلف الصالح”، وأن الجماعة الثانية التي تتكلم اللغة الفرنسية بقيادة التقدميين والماركسيين لم تستطع إرساء اتصال مع حضارةٍ، لعدم فهمهم لروحها العملية.
يؤكد ابن نبي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو هكذا أفهم منه، أن امتلاك أي لغة ثانية، لا يعني ديناميت وانشقاقات، بل اللعب في عداد دين الدولة، والانقضاض على حضارتها، وتفسخ مكونها الإجتماعي، وأن من يرغب بتعلم لغة أخرى، فليتصل مع الروح العملية للدول المعنيّة كي يصل إلى الأفكار الفعالة.

من نافل القول أن الاهتمام بنتائج ظاهرة ازدواجية اللغة، مختلف تماماً عن دراسة دوافع الإقبال عليها، ومسبباتها التي هي أصل المسألة، غير أنه صار بإمكان كل من يدخل دولة أو يتكلم مع أناسها، أن يرى وجهها التقليدي التاريخي، وما المانع وأين القبح والإنشقاق في أن يلحظ إلمام بل وتعلق أهلها بلغات وحضارات وثقافات الغير؟ أنت حين تدخل لندن، ترى في مطار هيثرو ضابط الجوازات يلبس عمامته التقليدية السيخية، مزدوج اللغة والثقافة، عمله في وزارة الداخلية أحد أبرز مؤسسات المملكة، وتصل وسط لندن فتسمع عشرات اللغات، وترى من كل الثقافات، تتكلم مع الغجري والبولندي والجورجي والكردي والأفريقي، وتنصرف قائلاً “رأيت لندن”، فقد تأملت سائحاً ملحداً وآخر متديناً في ساحة وست منستر خارج مبنى البرلمان الذي في داخله أيضاً مسؤولون دينيون ولادينيون، لا فرق بين اثنين أو أربعة، بلغةٍ أم من غير لغة، بدينٍ أو من غير دين على أرض تحكم بحد العدل والحرية، ومنطق القانون، ليس ذنب أحد أن الإنسان العربي مرن إلى هذا الحد، كلما تحدث لغةً أخرى صار من قومها، ولا حرج عليه أنه متفلت من دينه الإسلامي، وواجبه القبلي البدائي، وثقافة مجتمعه البائتة، ولو حدث أن تطبّع الناس بما يحبون، وليس لأنهم هاربون من تفشي العفونة في النظم، والطائفية، وغياب العدل، واهتراء المناهج، فأين المشكلة؟! ثم ليس ذنب الأوروبيون أنهم لم يتأثروا جميعاً بالعربية، وليس شأنهم إذا تخلف العرب وعزفوا عن لغتهم، راجعوا أساتذة اللغة العربية ومجامعها.

وإذا كان ابن باديس ضد الإندماج والتجنيس، فقد خالف موقف رسوله في صلح الحديبية فيما هو أخطر من الإندماج، ألا وهو الإنشقاق والإرتداد، حين وافق على طلب المشركين التحاق أي مسلم بصفوفهم، وراداً إليهم أي واحد سيدخل منهم الإسلام، كان ذلك تصريحاً محمدياً للمسلمين بأن وقّعنا على طلب انضمام أيكم لصفوف المشركين، معللاً: إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله! ما قبل به الرسول، وجملته أعلاه تعقيباً على قبوله الطلب، هو تلخيص لمنطق الدين شأن بين الله وعباده، وللإنسان حرية الإنسلاخ، ولا سلطة أو وصاية لأحد على أحد، كان ذلك في حالة السلم، أما في حالة الحرب، فالأمر مختلف تماماً إذا ما تحدثنا عن كثير من المواقف في حروب الردة بعهد أبو بكر الصديق مثلاً.

الخلاصة أن العربي صاحب الهوية الإسلامية يخشى بل يخاف عموماً قبول أي شيء، ويرحب بتصدير أي شيئ، ثقافة، دين، علم وفواكه، فثقافته ليس بعدها ولا قبلها ثقافة، انظر إليها كيف متراكمة، ودينه من عند الله ورسوله، ومن هذا الذي يتجرأ على الله ورسله، وفواكهه من أرض الأنبياء، وإذا لم يعجبك فاقرأ “والتين والزيتون وطور سينين”، وأما علمه، لن أقول لك أسسه خالدون كالخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم، بل انظر إلى ما وراء “وعلم آدم الأسماء كلها”، هذه الجمل أعلاه هي الأسلوب الرتيب والرد الميكانيكي الذي ستلقاه حين تتكلم مع عربي متديّن “مصنّف نخبوي”، ولن يتغير في الواقع شيئاً، فأنت أيها المواطن لست أمام دين بعلوم هيّنة أو قرآن بسيط، ولكنك حتماً أمام جماعة، أقلها أنها لا تملك أدنى مقومات السلوك الإنساني التفاعلي.

أن تؤيد ازدواجية اللغة، لا يعني أنك مؤيد للقتل البشع والاستعمار الفرنسي للجزائر.

اللغة مقاومة

24/11/2012

ازرع كل الأرض مقاومة

ثمّة فرق بين الرأي والحقيقة، يختلف اثنان على جمال غزة، ولا يختلفان على مساحتها، يختلف واحد مع نفسه على صمودها في الحرب، ولا يختلف مع ملايين على عدد القتلى والجرحي، يكتفي واحد بالرأي ورأيه فقط، وآخر بالحقيقة وحقيقة تناسبه فقط، ويرى ثالث الآراء فلا تعجبه، والحقائق فلا يعترف بها، لكن أحداً لا يستطيع تغيير الحقيقة أو اسكات الرأي.

****
كل الإجرام في ثمانية أيام ضد غزة، بل والتّجلي الصهيوني في القتل، والبيوت التي سوّيت بالأرض وكست غزة بلون الرصاص، ويسمّيه البعض بكل رعونة “جيش الدفاع”، عن من يدافع؟! اسمه لمن لديهم شغف وطني “عصابات صهيونية” أو جيش احتلال صهيوني، ولو شاء أحد الوقوف على الحياد، رغم أنه لا حياد في الإعلام بل موضوعية، وقلّة هم الموضوعيون، فهو “الجيش الإسرائيلي”.

****
لا تملك العصابات الصهيونية عتاداً عسكرياً بل أسلحة فتّاكة، ولا إسرائيل دولة بل كيان، ولا باراك رئيس أركان بل مجرم حرب، ولا ما يرتكبه الكيان عقاب جماعي بل تنكيل انتقامي وعشوائي، لأن العقاب للمذنب والفلسطيني لم يقترف ذنباً، كما أن الذين تتعطّش الصهيونية لتصفيتهم مثل محمد الضيف ورائد العطار وغيرهم كثر، ليسوا مطلوبين وإنما مطاردين، فالمطلوب هو المجرم الفار من وجه العدالة، كما ذكر عارف حجاوي

****
يقول هنري كيسنجر “الجيش خاسر إن لم يربح الحرب، والمقاومة رابحة إن لم تخسر الحرب”، ثمّة فرق بين الربح والانتصار، وبين قولك، خسر العدو لهذا سعدت، وانتصرت المقاومة لهذا رقصت، وخرجت للشارع لأني نجوت، لكن اللغة في فلسطين مقاومة أيَّما قلت.

****
هل تبسّمت غزة بعد الحرب؟ كلّا كانت تطبّل وتأكل بقلاوة، هل حسّت بالوجع؟ ثمة وقت معها كي تحس، هل بالرقص والطبل تجاوزت الجريمة التي نفّذتها إسرائيل؟ بالطبع لا فالجريمة يسجلها التاريخ

****
طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر يقال له الشّهيد البطل، متى أصبح بطلاً؟ تُسعدك صفة البطولة لمقاتل على خط النار، ذهب وعاد بها، ويضطرب وجدانك، ولا تتناغم انفعالاتك حين يُحمّلوها لطفل كان غارقاً في النوم بعد شوط من الرضاعة.

****
إسرائيل لا تعتّم إعلامياً ولكنها تضلّل وتخدع، والخداع يحتاج إلى مهارة وأسلوب مثل الذي يملكه أفيخاي أدرعي.

****
168 ضحيّة في غزة بينهم 43 طفلاً، وأكثر من ألف جريح ومصاب بالشلل، وتدمير للبيوت، تلى ذلك احتفالات على امتداد القطاع، التفاصيل تلخّصها قصّة رجل فقد كلتا ساقيه من أجل هدفٍ نبيل، ثمّ خرج جاره يلعب الكرة أمامه، يسدد الهدف تلو الآخر، غزة تسلّط الضوء دائماً على الظلام في محاولةٍ نحو الأمل، فتراها بالضوء تقدّم شكلاً آخر لساديّة اعتادت عليها، لكن صورةً لرجلٍ طاعن في السن خرج من بيته بهدوء، قبّل جبين مقاومٍ وانصرف بهدوء، إنه يفكر في ثلاثة وأربعين طفلاً، وحملهم تسعة أشهر، وآلام مخاض أمهاتهم، إنه يفكر في قول الشاعر:
وسل الأرامل بعد فقد رجالها *** كيف الليالى تنقضى والمهجع
سلها عن الأطفال عند مبيتهم *** والطفل دوماً بالأبوه مولع

****
قد تكره أو تحب حماس أو أيّ فصيل آخر، ولكنّك في النهاية مع المقاومة، فلا تنسَ الانتقاد وتسديد ركلاتك الاحتجاجية، فليس الفصائل الفلسطينية ربانيّة، تمرّد أيها المواطن إلا على قيم الحب والحرية والمقاومة، فالطريق مليئ بالسياج، مقصاتكم دائماً وأولاً.

 

تنويه واجب: بيتا الشعر لسالم خضر البحيصي.

النشيد الوطني

22/10/2012

ناجي

كان لفلسطين نشيد هو “موطني” كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه اللبناني محمد فليفل في العام 1934، كتبه طوقان يوم أدرك واستبطن معنى المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، فقال:

الشباب لن يكل همه أن تستقل أو يبيد.
نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.

جاءت بعدها منظمة التحرير وأقرّت نشيد فدائي في السبعينات وصادقت عليه السلطة الوطنية حديثاً، فكان معنى الفداء أن يتم تسجيل الشباب في دورات شرطة، يقبضون رواتب شهرية من أميركا لحماية أمن إسرائيل، فتجلى هنا مفهوم العبيد الذي تكلم عنه طوقان.

يقول شاب ينتمي لحركة حماس أن النشيد الوطني الفلسطيني “فدائي” هو أحد إفرازات أوسلو وهو مشروع قديم حديث، فيتساءل آخر: ولماذا يقف إسماعيل هنية إحتراماً له، فيجاوب ثالث من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويبدو أنه من تيار آخر داخل حماس قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني لا يجوز، وهو منكر في الدين وليس من صفات المسلمين أن يقفوا لغير الله تعالى، واسماعيل هنية ليس قرآناً؟! ولو رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقه حتى تعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتدخل رابع قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني أمر لا علاقة له بالدين، وهو أمر بروتوكولي، لقد غاب الثالث قليلاً وعاد بفتوى للشيخ الألباني تحت عنوان التقاليد الأوروبية الكافرة والبدع المنكرة. انتهى

هكذا تتلخص قصة نشيد وطني قد يُترجم قضية تحرر وطني، فقد خضع لمعايير المؤلف طوقان الذي كان وطنياً قومياً مرة، ودوزان الملحن مرة أخرى وهو دوزان شعب بأكمله على وتر أوسلو، ثم البروتوكول، وآخيراً الفتوى التي لم أنقلها لطولها.

قد يقتنع البعض أن “النشيد الوطني” لا يعني شيئاً سوى أنه كلامُ شاعرٍ كثيرون أصدق منه، لكني لا أعرف أن المسألة تطورت مع حماس وأبنائها إلى حد المتعة التي بلغت ذروتها لدى فتح وأولادها، حيث أفهم من كلام جماعة حماس وفهمي “على قدي” أن إبراهيم طوقان ومُلحن قصيدته “موطني” اللبناني محمد فليفل، وسعيد المزين ومُلحن قصيدته “فدائي” الموسيقار المصري علي إسماعيل، وحتى الناس التي تقف للنشيد الوطني جميعهم طبالجية كفروا بالتزامهم ما نهى عنه الله “أي الوقوف للنشيد الوطني”، أو كما قال الآخر، هم على صواب لأنهم فعلوا ذلك “أي وقفوا للنشيد” لأجل البروتوكل، كم هو محظوظ هذا البروتوكول، عزفوا له نشيداً وطنياً.

درس في الثقافة السعودية

10/06/2012

خرجت من خان الخليلي بالقاهرة القديمة منتهياً من سهرةٍ شعبية، وقد تخزّن في وجداني عزف ربابتها ومزمارها، مشيت باتجاه حي الحسين وأنا أدندن “ده لولا النبي ما كان الكون قدر، ولا كان فيه ناس لا صلت ولا صامت”، وعلى مقربة من الخان ركبت التاكسي الأبيض متوجهاً إلى مقهى الحرية وسط البلد، قلت للسائق عن المكان، فتأكد من لهجتي أنني لست مصرياً، فبدأ يحدثني عن الوضع الراهن مع قليل من الجغرافيا السياسية، ثم بقدرة قادر وصل في كلامه للمفاتيح العشرة للنجاح، بقيت مصغياً لحديثه طول الطريق بكل اهتمام وقليل من السذاجة مع هزات خفيفة للرأس تؤكد له صحة معلوماته، وعلامة تعجب صنعتها لتبين له حماقتي، أظنه لاحظها بنظراته الخاطفة في المرآة الأمامية، وللتأكيد فإني لم أكن ألبس جلابية ولا عقال، اقتربنا من حي باب اللوق، وقبل أن ينزلني بدقيقة، قال لي: “تصدق إني مرة قلت الكلام ده لراكب سعودي، فقلي ما شاء الله عليك وعلى ثقافتك وأعطانئ 200 جنيه”.

صفقتان مع إبليس

15/04/2012

الصفقة الأولى: حوار مع صيني يُدعى “ونهو”

ونهو: أنت مسلم؟
هو: نعم
ونهو: لدي سؤال.!
هو: تفضل
ونهو: أعيش مع ثلاثة مسلمين، أحدهم يُصلي ويشرب البيرة، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: الثاني يسمع القرآن ويدخّن الماريجوانا، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: الثالث يصوم ويقبّل الفتيات، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: سأدخل الإسلام..!

*********************************************

الصفقة الثانية: “فتوى مع التيار”

زوجته: هوّن عليك يا شيخ، لقد أمضيت وقتاً طويلاً داخل الغرفة دون حتى أن أراك.
الشيخ: وردني سؤال حساس، أبحث عن إجابته.
زوجته: لا ترهق نفسك كثيراً، واترك الأمر للصباح.
الشيخ: لا أستطيع، فقد يخرج الجنين مشوهاً.
زوجته: مشوّه ! لماذا؟!
الشيخ: اتركيني الآن.
زوجته: أنا زوجتك.
الشيخ: وأنا الشيخ “إبراهيم”
زوجته: بالله عليك. ما هذا السؤال؟!
الشيخ: إمرأة تطلب فتوى!
زوجته: حول ماذا؟
الشيخ: إنها حامل.
زوجته: ماذا تسأل؟
الشيخ: عن جواز شربها للخمر.
الزوجة: إنه حرام!
الشيخ: أعرف، لكنّها حامل.
زوجته: حرامٌ أيضاً!
الشيخ: لكنّها تتوحم.