Archive for the ‘.’ Category

“وداد” قصة قصيرة

08/06/2018

لم أشعر بالتعب لكن الهواء كان يدور ويختنق داخل رأسى، فمشهد الجنازة ضبابي بينما أجري على حافة النعش حافي القدمين.. الناس كلها تكبر بعالي الصوت وأنا صامت بطيء.. يطلقون الرصاص فأزيح وجهي نحو الجثمان وأتذكر لحظة سهر معه قال فيها “لو بتعرف تعزف كان غنيتلك، يما مويل الهوا يما مويليا” لكن بدك تضبط الدوزان.. ثمة شيء جعلني أركض في الجنازة على إيقاع منتظم ثابت، قلت إنه يريد الإيقاع بالضبط، هذه وصيته..
كان الجو شديد الحرارة فتعرقت وصرت أغني في عقلي.. ومشيت تحت الشتا والشتا رواني.. فينقطع الغناء وأنظر إلى أعلى فأجده مسجى فأتهدج.
ساعة من الصمت تلت إغلاق القبر، تحسست يد على الأخرى وعدت من المقبرة حافياً، لا أتحدث مع أحد، فقط كانت الذكريات وصفحات الدراسة تتلاقح مع بعضها وترتد إلى قلبي فتجده في حالة بلوغ مضرج بالدماء.
عاد الهواء يختنق في رأسي، حيث انهالت التفاصيل بعد شهور من الجنازة، لكني هدأت قليلاً وأسندت ظهري على نصب تذكاري في حي المسيح وسط المدينة، فيه روح لا يفهمها أحد، حتى أن تصرفات سكان الحي غريبة، يشعر بعضهم بالنبوة وبعضهم لا يبالي، والبعض الآخر إما يبتسم أو في حالة عزلة أو آلام لا تنقطع.. في هذا الحي يلتقي الصمت والشغف، وهو ليس بعيدا عن ضريح نائم في المدينة منذ عام ٣٧١ ميلادي، ضريح القديس هيلاريوس، على مقربة من النصب التذكاري حيث أقف وتبدو السطور باهتة وإن بدا اسم الشهيد جاداً في البقاء. بعض الحروف الصامدة على لوح الرخام تذّكر بشخصيته، كان لها هيبة غروب الشمس ولونها تماماً كوالده اسماعيل، مدرس مادة الجغرافيا، رجل غامض وهادئ جداً، يسير ببطئ شديد وفي رأسه خرائط العالم وطوبغرافيا الأرض وتشعر أن سايكس بيكو تجرح حركة عقله بشكل يومي، درّسني في الإعدادية، لم يكن يضرب أو يعاقب أحداً لكنه كان شديد الحزن، في بعض الأحيان كان يترك الفصل دون أن يتفوه حتى بكلمة، كنا نشعر جميعاً بذات الألم.
في أحد المرات كتب عنوان الدرس “المعرفة مسؤولية” كنت أدقق في كلماته وأشعر أن شرحه يميل إلى الفلسفة الطبيعية أكثر من الجغرافيا. يقول لنا، يجب أن نتخطى دائماً مرحلة الألم، ويؤكد بشكل يومي أنه يكره رقم ٦٧، ثم يذهب إلى باب الفصل فيقفله ويقول إن الإساءة يمحوها الزمن أما الخسارة فهي أبدية، الإساءة لها علاقة بالمشاعر أما الخسارة فلها علاقة بالروح، لقد فقدنا أرواحنا في فلسطين التاريخية، وأنتم الآن بلا روح، ثم ينظر إليّ بدقة متناهية يتبعها لحظة صمت ويقول، النضال حالة استعادة للروح.
بين كل درس وآخر كانت هناك فسحة، أقول لأصدقائي فيها، إن المعلم إسماعيل هو كل شيئ، الجغرافيا والفلسفة والهدوء والألم، وكنا نردد سؤال إسماعيل في عموم المدرسة، هل تخطيت مرحلة الألم؟ ثم نضحك بشكل سوريالي وقد تعلقت المشقة في تفاصيل وجوهنا. بسام صديقي فقد ستة طلاب مقربين إليه، لقد شارك في جنازات ستة جثامين، كلما سمع سؤال الألم هرب من المدرسة، فهو لم يكن مخيفاً أو خائفاً ولكنه كان يشعر بالوحدة.
أما عماد فكان علي عكسه تماماً، قلبه قاس وكلامه مرتجل، قلت له بسام سمع سؤال الألم وهرب من المدرسة، قال خليه يهرب! بدنا نعمل اضراب ضد سؤال الألم، لأنه فيه أسرى وفيه شتات ومستوطنات.
ذات مرّة شرد ذهني في الفصل، كان المشهد كله غبار ودخان وأصوات رصاص كلاشينكوف وزغاريد في تشييع جثمان أحد أبناء المخيم، كنت أراقب المشهد ولا أعرف ما الذي جرى بالضبط لكني صرخت في منتصف الدرس، لمحني المعلم إسماعيل من فوق كتف سليم، حذف اصبع الطباشير على رأسي وأعلن انتهاء الدرس.. كنا نفتعل أي حركة حتى نشارك في المسيرات.

وجدت طريقي أنا وعمر إلى أحد المستوطنات خلال مسيرة غاضبة، كانت الجدران مليئة بأسماء وصور الشهداء وأشعار معين بسيسو وتوفيق زياد، حملته على كتفي وأخذنا نردد، علا يا بلادي علا.. الموت ولا المذلة..
في كثير من الأوقات كانت تختلط عليّ المظاهرات، فأشعر للحظة أنني في زفة عريس، إذ لا معنى لأي شيء صاخب في حياتي، لا الموت ولا الحجارة ولا السلاح، لا شيئ، فقط أردت المشاركة في المظاهرات كوفاء للجثامين التي كنت أرقص معها في الأفراح، كانت جثامين تحب الرقص وتحب الحياة.
وصلنا إلى المستوطنة، كان عمر على مقربة مني، دار حوار بيننا نصفه خوف ونصفه الآخر بطولة، كنّا نتصارع على رمي الحجر بالمقلاع، من يبدأ أولاً؟ استغرقنا وقتاً طويلاً، من يبدأ أولاً؟ كلانا يعاين درجة القلق عند الآخر لكن روحه كانت أسرع، يضايقه البطئ في حياتي.. لقد كان محقاً، فأثره ظل بطيئاً يجرح في ذاكرتي منذ نحو 18 عشر عاماً، لقد انفعل غاضباً وهز رأسه وقال سنبدأ ولكن يجب أن تفصل بيننا مسافة حتي يتحرك المقلاع جيداً.
جرى بالمقلاع، ورحت أعد خطواته وتقييم قوة حركة المقلاع، قلت إن الروح في المقلاع وتذكرت درس إسماعيل، النضال حالة استعادة للروح، لم يخطر في ذهني أن قوة عمر ومقلاعه صادقة إلى هذا الحد القاتل. كان التوحش ينتقم من الروح في مشهد مهيب يسقط فيه عمر أمامي.

مرت شهور خضعت فيها لما يشبه الحصار، فلا أحد يعرف كيف كنت أهرب من أمه وداد كلما تذكرت أنها أول من كشفت عن جثمانه في المستشفى خلال عملها، أتفقد الشارع من شرفة البيت كي لا أصادفها، فكلما ألقت القبض عليّ في الشارع، تقول يا حبيبي شو أخبار عمر؟ لا أرفع رأسي مطلقاً بل أنكمش في ذاتي وأراها تفرك بيدها، تنتظر ولكني لا أجيب وأسأل نفسي، هل يجب عليّ المغادرة الآن على وجه السرعة؟ أغادر وأقول في نفسي، ياه يا وداد لو تعرفي، ترك عمر بضع كلمات، قالها في حالة استعادة للروح، وقد مر عليها 18 عاماً لكنها تخنقني وتبرّر صمتي، سأظل محمولاً بها يا وداد كي لا أضل الطريق..

ذاكرة مليئة بالملح – قصة قصيرة

29/05/2018

كان وجه الصباح يتنفس ببطئ شديد، أجلس على قطعة قماش بين سريرين فى المستشفى وألملم لذة النعاس بينما جدّي عيسى يتأوه وينوح.. بين دقيقة وأخرى ينطق كلمات لم أفهمها ولكني أذكرها جيداً.. فجأة قال كلمة بصوت مرتفع، وقفت وحدقت في عظامه البارزة وفي عينيه.. كان توتري يحتكم إلى ما تقوله عيناه، فالسرطان كان يأسر كل التجاعيد في وجهه، أما الوجع كأنه مسامير تتساقط عليه. الغرفة فارغة تماماً والموت بات يسيطر على السكون ويلتف حولي للانقضاض على جدّي.. في لحظة ما تسلل بعض الهدوء إليّ فتذكرت كل الماضي عنه، أحدهم لقبّه ببنك الدم لعافيته وصبره الذي أراه ينازعه اللحظة.. كان يشعر أنه قوي بما يكفي حتى يداعب إنسانيته على سرير المرض.

أكثر من عشرين عاماً عشتها على مقربة من جدّي، خزنت تفاصيلها، ولكنها تغزو ذاكرتي الآن، تنهال قصصه وصوت مواويله على عقلي.. كان يعرف أنني قليل الأمل وكثير الحب، فيحدثني عن بهجة الأرض ثم يقول لا توقف خيالك على حدود 67. 

تحمست وسألته ذات مرة كيف تزوجت من جدتي قبل التهجير من فلسطين؟ لم يجبني لكنه قال كانت السبب في بقاءه على قيد الحياة، لقد طلبت منه الهرب من القتل حفاظاً على حياته.. لا يخفي جدّي غضبه كلما تذكر تلك اللحظة.. في أحد المرات كنت أسرد القصة فضربني بعكازه ولاحقني حتى طردني من البيت..

أدرت رأسي فجأة وقد حل الموت فعلاً في غرفة المستشفى، شعرت به فأغمضت عيني وقد اجتمع داخلي خوف وحزن شديدين.. سمعت صوت أنين جرح قلبي وشقق رأسي.. أدرت وجهي فكان ما يشبه حبة ماء كبيرة داخل عين جدي، وقد ارتسم فيها ما يشبه قطعة أرض زراعية ورجل يلوّح بفأس قديم ويضع يداً أخرى على ظهره.. لفظ جدي أنفاسه الأخيرة وسقطت آخر دمعة.. لم أفعل شيئاً، ولم يكن أي شيئ مخيف، فقط شعرت بالوحدة وغادرت المكان وفي داخلي مخزون طافح بالدموع أخافه كلما كبرت، أخشى أن يتملكني القهر فأصبح به قاهراً، لذلك آخذ نفسي وأهرب بها يومياً، حتى أنني هاجرت من البلاد، لكن اللجوء صار ثقيلاً جداً.. حين أحس بمرارته ومعنى قسوته وهو يقطع كالسيف، أذهب سريعاً إلى مزرعة محاذية لنهر التيمز، أحاول الهدوء ولكن تزاحمني التفاصيل وتلح عليّ الذكريات.. أنظر في الماء فتتراءى لي دمعة عيسى وأحدق في الأرض فأتذكر وعد بلفور.. أشعر كأن الملح في عيني، أتنهد قليلاً ثم ابتسم كلما تذكرت قصص هذا الرجل، ولكني أشعر بالغرابة وارتباك المكان وتخالجني مشاعر متضاربة، فأعترف بيني وبين نفسي أن الذاكرة لا تشفى أبداً

رشيد غُلام: الشِّعر والغناء معًا

14/03/2018

حين تبحث عن اسمه، ستجد، إلى جانب أغانيه ولقاءاته، قائمةً طويلةً أخرى لا تضمّ أعماله الفنية، بل تضمّ سلسلةً من التضييقات والمنع من الغناء. إنه رشيد غُلام، الفنان المغربي الذي ذهب بصوته للوقوف إلى جانب الشعوب. هنا، حوار معه.

لماذا شاع اسم رشيد غلام وليس رشيد الموتشو؟
الوالد اختار الموتشو لأنه دخل الدار البيضاء وهو طفل صغير، وهناك كان المغاربة ينادون الطفل الصغير موتشو، فقام بتغيير كنيته وأصبح هذا الاسم هو لقب في العائلة، لكن رشيد غلام اسمي الفني وأصبح لصيقًا فيّ.

يقال إن الفن في بعض المدن المغربية فيه مسحة صوفية. كيف تراه؟
هناك تنوع في المغرب. مكناس عاصمة فن الملحون، كما أن فاس عاصمة الأندلسي وطنجة أيضًا، وأسفي عاصمة العيطة؛ فن مغربي قديم مرتبط بمقاومة المحتل. أما شرق المغرب فهو مركز الراي لأنه قريب من الجزائر، وفي شمال المغرب عُرفت الطقطوقة الجبلية، والدقة المراكشية في مراكش، والكناوة في مدينة الصويرة والحساني في الصحراء.

غنيت لعدد من شعراء العصر العباسي، لمن وكيف تختار نص الأغاني؟
أنا مرتبط بالنص الشعري الجمالي وأحب اللغة بشكل جنوني، وأكتب الشعر العمودي وبالتالي عندما يعجبني نص شعري أتغنى به، ولهذا غنيت لابن معتوق وابن عربي وابن هانئ والإمام الحراق وابن شعيب الدكالي ولأحمد شوقي ورامي. أنا منقب عن الشعر، وهناك بعض القصائد التي سمعها الناس مثل قصيدة “يا راهب الدير” و”لغة الكلام” للكتبي، و”ولد الهدى” لأحمد شوقي و”البردى” للبوصيري.
تقييمي للغناء العربي يبدأ بشكل أساسي بجمالية النص. وقد كان ذلك من أساسات الغناء العربي، ولا يزال؛ فالأغنية نص، وقيمة النص تبعث على التلحين والتعبير النغمي في الأغنية.

لماذا عُرفت في الغناء أكثر من تأليف القصائد والموسيقى والقطع المسرحية؟ وما هي القصيدة التي تعتز بها؟
أنا أحب الشعر والغناء معًا، لكني موهوب في الغناء. أما الشعر فأنا أكتبه على السجية وأحتفظ بأشعاري ولا أنشرها، وهناك شعراء أفضل مني بكثير، لكني غنيت بعضها، مثل أغنية “عاش الشعب”، في الغناء السياسي، وأيضًا أغنية “يا زهرة العمر” وكذلك “بحبك لا نشقى أبدًا”، وهناك قصيدة وجودية أعتز بها بعنوان “أي سر قد طوى” أقول فيها: أي سر قد طوى هذا الوجود العامر.. نبئوني أنجدوني إن بي وشب الخبال / أي غايات إليها ساقني ركب الحياة .. هل ليسرى أم لعسرى أم لأحيا في ضلال

هل تلحن أغنياتك؟
نعم لحنت أغنية “لغيرك ما مددت يدا” وأيضًا أغنية “عيون عبلة”.

لاحظت أن أغنياتك القديمة مختلفة تمامًا في ألحانها عن آخر أعمالك الفنية، مثل “عيون عبلة” و”طالع يسقط حكم العسكر” و”سجن القداسة”؟
الأغاني القديمة تم إنتاجها في ظروف مختلفة لم تكن تسمح بأي إنتاج كبير، ظروف اجتماعية وفقهية وذهنية في ذلك الوقت، أما الأغاني الجديدة فهي تعبّر عن الواقع العربي، وطبيعة المضمون الغنائي ثوري ويتحدث عن واقع مؤلم، وأيضًا صدف أن الأغاني وجدت من ينتجها وقد مددنا أرجلنا على قدر بساطنا إن صح التعبير. مثلًا، أغنية “عيون عبلة”، لو لم تجد إنتاجًا ورعاية لما خرجت بهذه الصورة، وهناك أعمال كثيرة موجودة على الرف وتنتظر إنتاجًا ورعاية، والمال في المجال الفني صعب. الفكرة الإبداعية تضيق حسب القدرة على إنتاجها.

كيف استطعت المزج بين النزعة الثورية والصوفية والإنسانية في أغانيك؟
ارتبط في ذهن الناس أن ما يسمى بالغناء الصوفي والوجدانيات منعزل تمامًا، وهذا خطاً؛ فمن يعيش هم الله في وجدانه ويكون بهذا الصفاء الروحي، لا بد وأن يعيش الهم الإنساني ويحمل هم الخير والعدل للناس، وتعبيره عن ذلك سيكون بكل الطرق الجمالية الثورية، ولذلك تجدني متنوعًا في أشكال القوالب الفنية، كالطقطوقة والموشح والموال والموسيقى الأوبرالية، وكذلك التنوع في المعاني الروحية والثورية والاجتماعية والغرامية، وهذا ما يلاحظه الجمهور.

هل تنحاز إلى مقام موسيقي دون آخر، كما فعل رواد الغناء والمشايخ؟
بالتأكيد لا. التلّقي الجمالي الذي يحضرني هو الحالة التي أعيشها، وليس الاختيار لمقام محدد. أغني من جميع المقامات وأحبها كلها، وليس عندي هذا القيد، فأنا اعتبر المقامات كتلة هلامية تشكّلها أنت كما تريد، فهي تعكس الفرح والحيرة والوجد والشوق والحزن الذي ارتبط عند الناس بمقام الصبا، والراست يعكس الفرح، والحجاز يعكس النداء.

هل الظروف الاجتماعية والسياسية في السنوات الخمس الأخيرة عززت إحساسك تجاه الفن كقيمة وأعطت دفعة معنوية؟
قوّت إيماني برسالية الفن وقيمته التغييرية، وعززت تشبثي بمبادئي، فلا أبتذل نفسي ولا أبيعها من أجل الشهرة والانتشار، ولا أهين نفسي وأضعها في مكان من أجل أن أكون فنانًا مشهورًا. هل أتصالح مع الأنظمة الاستبدادية من أجل أن أكون فنانًا؟

أي من الفنانين العرب الذين قابلتهم ترك أثرًا شخصيًا وفنيًا فيك؟
وديع الصافي. ربطني به علاقة وطيدة وأعتبره من أساطين الغناء العربي. اللقاء به كان من أجمل الأشياء التي حصلت. التقيت مع لطفي بوشناق وصباح فخري مرات عديدة ولم يخلُ اللقاء من حديث حول الموشحات وكلماتها.

كيف كان لقاؤك بوديع الصافي في بيته؟
كأنه وجد شيئًا ضالًا عنه، وكأنه التقى بحاجة كان يأمل أن يلتقيها وأن تكون موجودة في الوطن العربي. كان حلمي أن ألتقي وديع. حدث وكان اللقاء طويلًا ومؤثرًا وهو مصور، أتمنى أن يبث ابنه ما سُجل خلال الجلسة، حيث بكى وديع.
وديع أعجب فيّ وأثنى عليّ. أن يؤمن وديع بأن تبقى محافظًا على خيارك الفني بالشكل وألا تبتذل نفسك فهذا يفرح، ولكن أغلب الفنانين يقولون إنه يجب أن تلين قليلًا وأن تنتج شيئًا خفيفًا. الفن صار هو الانتشار فقط، والجودة صارت تعكس الانتشار. صار السؤال عن حجم انتشار فيديو ما، ولا تعني القيمة والجودة أحد. أتفه أغنية في تاريخ الغناء مثل “غانغام ستايل”، شاهدها تقريبًا مليارين من الناس. هذه فقاعات هوائية، يراها الناس في وقت محدد ثم تتلاشى، ولا تترك أثرًا؛ فهي لا تربي الذوق العام ولا تعطي قيمة، ولا توقد حسًا معينًا في الإنسان ولا تقدم رسالة للناس وللحياة.
الفنان في العالم العربي يمكن أن تجد له صوتًا ولكن بدون قيمة، وتجد مغنيًا ولكن بدون ثقافة عميقة بما يغنيه. أصبحت القنوات تنتج فنانين مثل المعلبات من دون ذوق. لا يهمني ولا أريد أن أكون فنانًا شهيرًا بأي شكل من الأشكال. سبق وأن التقيت بسماسرة الفن في القاهرة عام 2006، ولو قبلت أن أبيع نفسي باحتكار صوت لأربح الملايين لكنت الآن من الفنانين الشهيرين في القنوات الخليجية، ولكن عندها سأكون مهرجًا، بل مخربًا لأنني سأربي في الأجيال سوء التلقي وقيم أخلاقية سيئة، ولا أريد أن يكون دوري هكذا، حتى لو أجلس في بيتي وأفخر بما أقدمه وحدي.

 

لذلك، هل تريد التأكيد على أهمية وأفضلية الموسيقى الكلاسيكية؟
إذا كان المقصود بالكلاسيكية مرحلة تاريخية، بالتأكيد لا، أنا أقصد الفن عمومًا والقيمة الفنية تكمن في موقفين؛ أولًا، أن يتم مراعاة الموقف الجمالي بحسب مجال الاشتغال؛ فإذا كان غناءً، يجب اعتبار القيمة للصوت واللحن وطبيعة المادة والقيمة المعنوية والأدبية، والقيمة الأدبية يجب أن تراعي فيها التركيبة الشعرية وأيضًا المقاصد والمفاهيم الموجودة والمعاني. ثانيًا، الموقف الإنساني؛ أي ماذا يحمل هذا الفن وماذا يقدم؟ إذا لم يكن الفن بهذين الجناحين فسيكون شيئًا تافهًا مبتذلًا.

الأغنية العربية الكلاسيكية لم تكن كلها تراعي القيم التي ذكرتها؟ بعض الطقاطيق مثلًا عكس ما تقول تمامًا.
هناك أشياء يُحتفظ بها، ولا نزال نحتفظ بالكثير من الأغاني، ولكن هناك أشياء دخلت مع جملة الأغاني. مثلًا محمد عبد الوهاب بجلالة قدره، لحّن أعمالًا متواضعة، ولكن عندما نذكر اسمه لا يمكن أن نقول إن عمله الصغير تافه أو عادي لأنه لحّن أعمالًا كبيرة. حتى أن الأغاني التي تعتبر هفوات يُختلف في تقديرها فنيًا. سيد درويش مثلًا لحّن أغاني ذات قيمة، لكن المدرسة التي أنشأها أعطت لكل أعمال فناني تلك المرحلة قيمة تاريخية؛ لأنهم كانوا في بدايات إنشاء الأغنية والموسيقى العربية بالشكل الذي نحن عليه الآن. ليس كل ما غنته أم كلثوم ذات قيمة شعرية وجمالية، لكن أم كلثوم حالة. أقدر كثيرًا الرحابنة ومدرستهم وما صنعوه بوعي فني وإنساني وسياسي سابق لأوانه، فقد غنوا للعربة والضيعة وللجار وللقمر والليل والوطن العربي والمدن. شيء واحد لم يغنوا له وهو الاستبداد، ولم يغنوا لأي حاكم عربي.

برأيك ما هي الدول العربية التي لم يتم إنصافها فنيًا على مستوى البحث في الموسيقى والتناول الفني؟
الإعلام العربي بدأ من الشرق ولم يهتم بالغرب في العالم العربي؛ فهو لم يهتم بالمنطقة المغاربية كلها، رغم أن فيها زخمًا ثقافيًا وتنوعًا غير موجودين في الشرق، وفيها عمق تاريخي كبير. كثير من البلدان العربية مظلومة مثل اليمن، والعراق أيضًا فيه تراث فني قديم جدًا والناس لا تعرف منه إلا القليل، مثل المقام العراقي؛ أما الشام فالفن فيها معروف، ومصر استنفدت. نحن بحاجة إلى إعادة البحث وتخريج التراث الموجود في هذه المناطق المنسيّة.

من هو أكثر ملحن تعجبك ألحانه وتجربته الفنية؟
رياض السنباطي، لا يضاهى، فهو أفضل من يبني البناء اللحني على الإطلاق وأفضل من يصيغ الجملة اللحنية التعبيرية عن المعنى الموجود في النص. السنباطي أكثر اشتغالًا على قيمة الكلمة. هو متفرّد وكان يجب أن يُدرس بشكل كبير جدًا، خصوصًا الانسيابية الموجودة في ألحانه وعدم تكلفه. السنباطي استطاع أن يحافظ على ما عند زكريا أحمد وما عند عبد الوهاب، وقد جمع بين المدرستين الكلاسيكية والتجديدية. لو كان هؤلاء بيننا الآن لما كان لهم مكان وسط هذا الزخم الموجود، إلى أن يلحنوا أغاني الهشّك بشّك والأغاني الخفيفة.

ما الذي تبقى لنا من فن وألحان الماضي وما هو تقييمك لشكل الحاضر الفني؟
التربية التي تربى عليها المتلقي الآن مختلفة. هناك سرعة في الوصول إلى المعلومة عبر التكنولوجيا، وإيقاع الحياة يجعل الناس تتغير. قديمًا كان التلحين كما يخطر للملحن وليس كما يُقيده سمع الجمهور؛ لذلك أنت لا تلحن الانطباع الجمالي، وإنما تلحن السلعة السوقية التي تريد أن تبيعها. أين هو الفن في ذلك؟ عندما تخالجك اللحظة الإبداعية وتتردد فيها مثلًا، فأنت لم تكن مخلصًا للإبداع. التربية الفنية في السابق كانت ذوقية، أما الآن من خلال الإفلاس الفني الموجود في الإنتاج، صيغت أذن المتلقي العربي بشكل سيئ، بحيث صار لا يقبل إلا ما هو موجود، والعولمة لعبت دورًا في كل هذه الأشياء.

رياض البندك… سيرة لحنٍ منسيّ

13/03/2018

حمزة البحيصي – نشر على العربي الجديد

التصقت الأغنية الشعبية والتراثية بفلسطين، ووصلت القوالب الغنائية الشعبية إلى نحو 14 قالبًا، حتى تبيّن لغير المهتمين والباحثين أن الزخم يحيط بكل ما هو شعبي، وبدا كأن سمة الأغنية تراثية شعبية، وليست فنية. بالنظر إلى قلة البحث الرصين والاجتهاد والتوثيق في قطاع الموسيقى، لا يبدو هذا التوصيف دقيقًا؛ فالبحث في المخزون السمعي وسجلات واحد من الملحنين الفلسطينيين لاكتشاف أثره في الموسيقى العربية، كفيل بنسج خيوط جدية في وجهة النظر الخاصة بتاريخ وشكل الموسيقى في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
حين تُذكر الإذاعة والأغنية الفنية، لا ينفك الحديث بينهما؛ فقد كانت الإذاعة مركزًا لحفظ الألحان وجمع شتات الملحنين، ضمن بيئة عربية واحدة. الخصوصية الوحيدة التي كانت عليها فلسطين هي أن الظروف السياسية والاجتماعية بدّلت في شكل الأغنية وروحها، لكن ما استقر في الذاكرة بعد اندثار الزمن بدا شحيحًا، حتى على مستوى اكتشاف الملحنين والعازفين والشيوخ المدّاحين، فالملحنين والعازفين كانوا كثر في مطلع القرن العشرين وما تلاه، ويُعرف منهم الملحّن رياض البندك ويحيى اللبابيدي، وأيضاً عبد السلام الأقرع، وإلياس شهلا، وجوليا السلطي، وحسين النشاشيبي، وغيرهم الكثير.

خلال الثورات التي اندلعت في الثلاثينيات وقبل النكبة، برز حليم الرومي، وماري عكاوي، وروحي خماش؛ الأخير كانت له تجربة فريدة مبدعة في بلاد الرافدين عبر سماعياته التي أثرْت الموسيقى العراقية، ومنها سماعي النهاوند الشهير، إضافة إلى يحيى السعودي ويوسف البتروني اللذين انتقلا إلى إذاعة دمشق بعد النكبة عام 1948.
اعتمدت الأغنية الفلسطينية الفنية على القالب التقليدي في بنائها، حافظ الملحنون على بساطة التعبير، خصوصًا أنهم لحّنوا كثيرًا من المرثيات؛ فكتب وقتها الشاعر الشعبي نوح إبراهيم مرثية الأبطال الذين قاموا الاستعمار البريطاني في مطلع الثلاثينيات. وحين وقعت حرب عام 1948، عاد المزاج الفني إلى حالته الثورية التي لم تنقطع، لكنها كانت تتأثر بظروف الغربة والحنق؛ فعُزف وقتها أغنية، “هز الرمح بعود الزين” وتلاها في الشطر الثاني سؤال لتثبيت الهوية “وانتوا يا نشاما منين؟”، وصار الحديث عن البطولة وسلاح الثوار والهموم بدل الحب والمغازلات والحياة الوردية والمزاج العالي، حتى أن الموسيقى في ما بعد، أي وصولًا إلى الانتفاضة الأولى، حملت معها لون النضال المعبّد بحب الأرض والعفوية في التعبير عن الهوية الوطنية والأسى الدفين، وعبرت عنها الدلعونة وغيرها.
لكن، رغم هذا، لا يمكننا إغفال الحركة الموسيقية الفلسطينية قبل الـ 1948. هنا، سنقف عند تجربة رياض البندك (1924 – 1992)، الذي صادفت ذكرى رحيله السابع من الشهر الجاري.

البداية في الأرض المقدسة

هو رياض بن عيسى بن باسيل البندك، كان أحد رواد الأغنية الفلسطينية في مطلع القرن العشرين، ويستحق أن نفرد لجزء من مخزونه الموسيقي الضائع، مساحة تُذكر في التاريخ الفني الفلسطيني. درس الموسيقى في مدرسة “تراسنطة”؛ أي “الأرض المقدسة” في القدس مطلع الثلاثينيات، والتي أسسها الآباء الفرنسيسكان حسبما أورد كتاب “التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 – 1948” للمؤلف وليد الخالدي، وتأثر بوالده عيسى البندك، رئيس بلدية بيت لحم وصاحب جريدة “صوت الشعب”، وعلى إثر صيت والده وأيضًا موهبته الشخصية، ساهم البندك الابن في تأسيس إذاعة صوت العرب في مصر، وإدارة وتنظيم أقسام الموسيقى في إذاعات عربية أخرى، مثل إذاعة دمشق التي شكل فيها فرقة موسيقية وضم إليها أشهر العازفين، من بينهم فريد السلفيتي وعبود عبد العال وسليم سروه وميشيل عوض.
في إذاعة القاهرة، سجل لحن أغنية “تحية عرب فلسطين إلى أرض الكنانة”، وهي من كلمات ابن مدينة يافا الشاعر والصحافي سعيد بن جرجس العيسى، لكن هذه الأغنية غير متوفرة وتحتاج إلى جهد بحثي للعثور عليها، كما أنه قابل جمال عبد الناصر الذي أبدى إعجابه بفن البندك ويقال إن حدث وفاة عبد الناصر حال دون إتمام لحن لأم كلثوم مقدم من البندك.
لم تكن مدرسة تراسنطة مرجعًا وحيدًا للبندك، بل يذكر أيضًا أساتذته الذين تتلمذ موسيقيًا بإشرافهم، مثل يوسف البتروني ويحيى اللبابيدي، أما فاضل النمر الذي كان مدير مدرسته؛ فقد كان له تأثير عليه رغم اعتراض والده. يقال إن النمر عازف كمان، لكن ليس للأمر أي دليل رسمي موثق كي نتعرّف إلى تجربته. وقيل إن والده كان مناضلًا شديد الشكيمة، لكنه وقف ضد تسديد ابنه ضربة حظ فنية في حياته، إلا أن البندك الابن لم يتنكر لإحساسه وقد جاءت النتيجة بحجم موسيقار وأكثر، فهو التقى بالفنانة فايزة أحمد، وبعد أن اكتشف جمال صوتها، لحن لها موشحًا “امسحوا عن ناظري كحل السهاد”، من كلمات الشاعر ابن هانئ الأندلسي.

من خلال العلاقة الفنية التي جمعت رياض البندك بفايزة أحمد وإصراره على تقديم طوق النجاة لها لخلق بيئة جمالية فنية يزهو بها الاثنان، تعرفت إلى المعنى الحقيقة للتكامل بين الملحن والمغني في مسألة اكتشاف النغم وأبعاد الصوت، التي من خلالها يبرز عنصر التكثيف اللغوي عبر الكشف عن الجمال في العُرب، والسيطرة على القطعة الموسيقية حتى من خلال توارد الأفكار التي لها علاقة بكمالة العيش الواحد بين فنانين أشقياء في حالة فنية اجتماعية، وكم كانت خجولة فايزة أحمد.
روح هذا الموشح الأندلسي وحاله ينطبق تمامًا على حالة فايزة ويتسق مع إصرار البندك على تبنيها. يقول إنه كان يقسو عليها، لكنها تفوقت وأصبحت فايزة التي نعرفها بأغنيات كثيرة، مثل “يما القمر عالباب” و”أنا قلبي ليك ميال”، الأغنيتان اللتان لحّنهما محمد الموجي.

مخزون موسيقي وألحان مفقودة

تأثر البندك بالمناخ الموسيقي؛ فراح يلحّن موشحًا آخر، كما تقول بعض المصادر، للشاعر الفلسطيني، ابن مدينة حيفا، حسن البحيري، يقول فيه: “أنت طيف أحسه في الأماني، يا بعيدًا وأنت في وجداني”. هذا الموشح من بين الموشحات التي نبحث عنها، إضافة إلى أغنية “مسكين الطير غنى” التي لحنها أثناء ذهابه إلى امتحان موسيقي في الإذاعة الفلسطينية، وكان من بين الحضور الملحن يحيى اللبابيدي، لكن هذا اللحن أيضًا لا يزال من مفقودًا.
كان الفنان الكوميدي والشاعر الغنائي الموهوب نجيب نجم قد كتب كلمات أغنية “يا عيني عالصبر” بعد هزيمة عام 1967، والتي غناها وديع الصافي ولحنها البندك على مقام الهزام، فرع من فروع مقام السيكاه. ربما اختار البندك هذا المقام الشفاف لما فيه من رقة في العاطفة، ومنه راحة الأرواح بدرجة ركوز على “مي نصف بيمول”. وفي الأغنية يبرز مقام الصبا أيضًا؛ حيث يختمر الحزن كي يدل على النكسة، بل وفيها انتقالة موسيقية جميلة وفارقة عند جملة “يا ليل الصبر يا مسهر دموع العين، أنا ملاح وتاه مني سوى شطين.. مصير الصبر حيوصل مراكبنا، ونتقابل أنا وانت بحبايبنا”.

خلال رحتله بين عواصم المدن العربية، بيروت والقاهرة ودمشق، لحّن البندك لأحد مؤلفي الأغاني، حسين طنطاوي، قصيدته “هلموا هلموا شباب العرب، إلى المجد والمجد للأقوياء.. إذا ما اتحدنا بلغنا الأرب، وعند السماء رفعنا اللواء”. هذه الأنشودة الوطنية قدمها في إذاعة صوت العرب، إضافة إلى نشيد “نداء العروبة” الذي كتبه السوري عبد السلام العجيلي، ويقول فيه: “السهول والرُبا رددت ندانا.. حين جردنا الظبي نفتدي حمانا”. لحنها البندك على مقام العجم، وهي مقطوعة لها رهبة تشبه بعض أجزاء سيمفونية بتهوفن الخامسة. كما أن للبندك مجموعة ألحان غير متوفرة مثل أغنية “آه من عينيك” وهي الأغنية الأولى التي قدمها في أول حفل له في مدينة دمشق، وقد حفظتها ماري جبران وذاع صيتها في بيروت وتم تسجيلها في الإذاعة اللبنانية.
شاعت ألحان البندك بين قامة من الفنانين، فصاحب أغنيات “الناس المغرمين”، و”ساكن في حي السيدة”، و”جميل وأسمر”، الفنان المصري محمد عبد المطلب، غنّى أيضًا “تسلم إيدين اللي اشترى”، وهو اللحن الذي وضعه البندك، رغم أن كثيرًا من المصادر غير الدقيقة تقول إنه لحن لمحمود كامل.
كما قدم ألحانه لفنانين آخرين، مثل محمد قنديل، وزكية حمدان، وكارم محمود صاحب أغنية “عنابي”، وكان من بين أجمل ألحانه “يا من سقانا كؤوس الهجر” التي غنتها فاتن الحناوي، وأغنيتي “زي الطير يا حبيبي بتهجر” و”إمتى الهوى ينصف حبيبين” بصوت سعاد محمد. وكذلك لحّن لنور الهدى “مزيدًا من النور يا خالقي” للشاعر المصري محمد إبراهيم نجا، التي تتضح فيها النفحة الروحانية، إضافة إلى “ويح قلبي”. ألحان البندك كثيرة وشروحها من ناحية فنية ربّما يُفرد لها موضوع قائم بذاته، بحجم إنتاجه الفني لما تضمنته ألحانه من تحويلات نغمية واختيار حريص للمقامات الموسيقية.

حوار فقير لمجلّة الذخيرة عام 1964

بعدما ذاع صيت البندك، أجرت مجلّة “الذخيرة” الأسبوعية، التي صدرت عام 1946، حوارًا مقتضبًا مع رياض البندك، من ثلاثة أسئلة فقط، وهو الحوار الوحيد الذي نعثر عليه في الصحافة الفلسطينية منذ مطلع القرن العشرين مع هذا الموسيقار.. كان يرى الفن فريضة، كأنه في قدسيته الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه، حيث كان يرغب في أن تلامس الموسيقى الشرقية مشارق الأرض ومغاربها، وأن تتشنف لها آذان البعيد والقريب.
أراد البندك أن يقول إننا نستسيغ الموسيقى الغربية، فما بال أنغام الشرق، لكنه لم ينكر الكسل الذي اعترى قسمًا من الموسيقيين المحافظين، الذين كانوا يرفضون تمامًا أي تجديد أو زيادة على الموسيقى العربية. كان يرى في ذلك تفكيرًا رجعيًا مؤلمًا. هذا الإحساس بالتغيير كان في نفس الشيخ سيد درويش، لكن الأخير رحل وبقي دور “أنا هويت وانتهيت” من أجمل ما لا يمكن العبث به؛ حيث يرقد مقام الكرد الذي يتجلى في أغنية “نسم علينا الهوى” للسيدة فيروز، وكذلك “حيرت قلبي معاك”، إحدى روائع أم كلثوم. في حديثة، يعترف البندك بما أصاب الأغنية الفنية في فلسطين من مقتل بسبب الظروف السياسية، إضافة إلى غياب المعاهد الموسيقية، لكن الأمل كان يتملكه وقد أمسكه بيديه وعزف به على عوده كي يبقي لنا أعذب الألحان المحفوظ منها والضائع.

عن المفاهيم والدلالة

13/03/2018

المفاهيم الاجتماعية والسياسية دائماً تشغل الباحثين، مثلاً، الرقي، الحرية، العقلانية، العدالة، التراث، الثورة، الفساد، الرجعية، الفوضوية.. إلخ ودائماً يطرح السؤال، ما أصل المفاهيم؟ وكيف تنشأ ويتم تبنيها؟ ولماذا وكيف يتحمل الباحث مسؤولية طرح المفهوم ليس كمصطلح إعلامي بل كأسلوب وثقافة في المجتمع بالمعنى الغرامشي؟ مثلاً كيف يتعلم الإنسان الوعي والرقي سيكولوجياً؟ وما علاقة الأمر بالمجتمع؟ بمعنى آخر، هل المفاهيم حالة مصطنعة منمقة أم إنسانية كيميائية؟
أولاً، لغة الفكر والعلم سيرورة تاريخية ولكن مع تطور المفاهيم عكف الباحثون على التدقيق والتمحيص في جدوى كثير من الثنائيات مثل “الدين والتاريخ – مثلاً، فشل الإخوان ثم ندبهم عبر استعارة مظلومية طائفية” و “السياسة والاقتصاد” الدناءة في استعارة أي اتهام للناس لصناعة الأهمية والجدوى وتكريس المصالح ولغة الأنا”. يعني مثلاً في حقل تاريخ وأنثروبولوجيا اللغة سنجد تماسك سياسي واجتماعي في ابتكار المفاهيم وهذا ملحوظ في لغة سوفوكليس وأريستوفان في اليونان القديمة واللغات الأخرى السريانية والسومرية والآشورية.. إلخ
يدور حديث مستمر حول المعاني السيكولوجية لتطور المفاهيم والعلاقة مع الدين والتحولات الاجتماعية والسياسية، أكثرها نقاشاً “ما بعد الحداثة” أو الترامبية في صياغة مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية والسياسية.
وصلت إلى ما يشبه الخلاصة، ولكن المسألة بحاجة إلى طرح أوسع وأدق، وسأضرب مثالاً ميكافيلياً في واقعيتة. يقال عند العرب، مات مقهوراً، هنا القهر بوصفه مرض قاتل، ولذلك فإن ما يحدث في الشرق الأوسط الآن من قهر هو صناعة “متقنة سياسياً” للمرض، وهذا في حد ذاته يؤسس لبيئات قلقة مضطربة، أما تأثير القهر في البيئات الواعية فهو غالباً يؤسس للأفكار والمعاني الحقيقة، مثلاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس التاريخية تزامناً مع ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، هذا “زلزال قهر” للوعي الجمعي العربي واستخفاف به في ظل العجز المعبر عنه في لغة المصالح الدولية والإقليمية وتضارب السياسات المجحفة. وهذا ما أوصلنا إلى حالة يطلق عليها اسم “القهر السياسي” أو “قهروسياسية”، على غرار “نيوليبرالية” أو “اللاسلطوية” أي شكل السياسة بوصفها عجز مطلق يصحبها عملية ردع مستمر لفترات طويلة. ببساطة لأن الواقع في العالم العربي يتجاوز حالة المفهوم التقليدي للسياسة وقواعد العلوم السياسية، وما أقصده يختلف عن شروحات فرانز فانون وحنة أرندت عن العنف والسياسة. الأمر أوضح في المسألة السورية حيث تدويل الأزمة في المحافل الدولية عبر ألاعيب فوضوية لأهداف شخصية وجيواستراتيجية وشبكة علاقات مصلحية تلعب على وتر التخريب وهنا يتجلى القهر السياسي وينعكس صورة اجتماعية على الأبرياء.
تجربة أركون ومنهجيته البنيوية في مجال أنسنة الفكر، أوصلتني إلى نتائج، منها أن العالم العربي صار يفتقد إلى ما يمكن تسميته “الانسيابية الاجتماعية” وحتى الذوات الفاعلة صارت محكومة لعوامل وأدوات نسف الوعي وقتل الفكر وخداع واستغلال الإنسان من أجل التكريس للصنمية. الأهم إنه فيه مسألة جدية يجب الاتساق معها وتكريسها بوضوح، وهي توسيع دائرة عملانية المفاهيم عبر الاشتغال أكثر على أنسنة الوعي بعيداً عن ثقافة الوعظ الديني والوصاية على الآخر.
طبعاً هذا كله لا يتنافى مع القناعة بمقاومة الاحتلال والدكتاتوريات العربية وردع الظلم حتى لو بخسارة، فالحق لا يجيزه أي باطل، لكن القتال المحمول بنزعات انتقامية وليس فرض عين أو كفاية “ولذلك شروط” بقصد الجهاد، فهذا يسمى ثأر بغرض الإذلال والانتقام وهو بالضرورة يؤسس لأنظمة وفكر شمولي وله تبعاته. كمان الاستسلام لبشاعة الواقع بحد ذاته هو انعدام مسؤولية والاندفاع بدون وعي جمعي دليل عجز وتهلكة.

ثلاث أفكار وملاحظة

13/03/2018

هناك انشغال دائم حول جوهر “الوعي والثقافة” وعلاقتها بالحقيقة أو “الواعي والمثقف” وحقيقة ما يفكر فيه ومكانه وزمانه أو حتى التجربة التي شكلت آراءه الفلسفية والواقعية. الفيلسوف الروماني إميل سيوران ذهب إلى خلاصة فقال إن الوعي منفى. الأمر ذاته نقله الأكاديمي والمنظّر إدوارد سعيد بمعنى آخر وقال المثقف الحقيقي غريب أو خارجي يفرض على ذاته المنفى على هامش المجتمع. جاء المفكر عزمي بشارة، وأشار في كتابه الثورة والقابلية للثورة أنه لا يفهم ما معنى كلمة “حقيقي”. وأوضح بشارة، أي الحقيقي في هذه الحالة تعني عكس الكاذب أو عكس المزيف. وأن درجة الحقيقة والتزييف لا تعتمد على كون الإنسان خارجياً أو منفياً ذاتياً وإنما تعتمد على تعريف المثقف لنفسه ومدى التزامه التعريفات.
التدقيق في المعاني يدلل على أن الوعي “سيكولوجياً” يظل في حد ذاته ناقصاً وغير مكتمل مهما كان جذره أو نتيجته، ولا يتأكد إلا بقيمته، لأن الحقائق هنا تخضع للشك واليقين، كما أن الحقيقة الجازمة ليست مطلقة، مثلاً البعث والنشور في النص القرآني أو الجهل بأمر الروح واعتبارها مؤجل والكثير مما يعتبر يقينيات.
في قاموس “لسان العرب” يذكر أن الحقيقة هي ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وقيل بلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه.
نحن نعرف أن هناك حقيقة يقول بها الدين وحقيقة تقول بها الفلسفة.. يعني الحقيقة الدينية “وحي مرسل ومعجزات وأساطير.. إلخ” والحقيقة العلمية “عقل يفكر وتجارب واستنتاجات..إلخ”
برأيي، حين تُجمع الحقيقتين تصير الحقيقة مزدوجة “هنا ازدواجية الحقيقة، إما أن يكون وصولية ومراوغة أو تنوير وتجديد”. الأمر يخضع للجدوى “الحاجة” والاتقان “الحجة”، وهذا ينطبق على فلاسفة الشرق والغرب.
في مثال يعبر عن فهمه لمعنى “الحقيقة الدينية” يقول المفكر علي شريعتي “إن الكافر يغطي على الحقيقة في قلبه لأسباب وعلل كالجهل والانتهازية”. هذا قول فيه سجال أصلاً وتداخلات حول مفهوم الوعي وكيف تشكل “الظرف الاجتماعي” وماهية الحقيقة وخصائص الإدراك وكيف يؤمن الإنسان وكيف يكفر!
المثال الآخر حول مفهوم الكمال مثلاً “كحقيقة دينية” أورده الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في كتابه اللاهوتي “أفكار” حيث قال إن الهوة اللامتناهية لا يمكن أن يملأها سوى موضوع لامتناه ولا يتغير، يقصد الله وحده. هنا يقع نقاش آخر، حول الوعي ودورته ومداه، وهذا إما أن يأخذنا إلى نرجسية الإنسان كحالة فخر وقوة لا تقهر، تؤرقه الخطايا وبذلك يفتح صراعاً مع عديمي الإحساس لإثبات قيمة ما، أو يدخلنا في دوامة العدمية التي هي تلقائية في حد ذاتها، أي تتلبس الإنسان، وبالتالي يصير من يتبنى مفاهيم مثل الدفاع عن الوطن واستعادة الحق، لا يلتقي أبداً مع مفهوم العدمية والعدميين؛ ليس لأن هذا تناقض واضطراب في التفكير، بل لأن العدمية في جوهرها تنسف معنى الشعور بالأشياء ويصير الانتماء للفراغ هو الأصل، وحين تصير علاقة الوعي بالفراغ واللاقيمة علاقة تراكمية، هنا تتجلى العدمية، وأيضاً لأن أي صراع بالنسبة للعدمي سيكون عبثياً وليس له منطلقات قيمية أو أخلاقية سواء كان منبعها الدين أو الطبيعة.
حتى أن هاروري موراكامي وفي روايته جنوب الحدود غرب الشمس.. يقول حول كفاحه ليصبح شخصاً آخر كي يتمسك بحياة جديدة يظن أنها جزءاً من عملية النضوج يقول إنه لا يملك الحق ولا يملك ثقة لربح القوة الكامنة في داخله”.
لهذا كله أنا أقر أنني أنتصر للهشاشة حين يتعلق الأمر بالحقيقة ويُترك للأقوياء دماء الجاهلية.

اللغة مقاومة

24/11/2012

ازرع كل الأرض مقاومة

ثمّة فرق بين الرأي والحقيقة، يختلف اثنان على جمال غزة، ولا يختلفان على مساحتها، يختلف واحد مع نفسه على صمودها في الحرب، ولا يختلف مع ملايين على عدد القتلى والجرحي، يكتفي واحد بالرأي ورأيه فقط، وآخر بالحقيقة وحقيقة تناسبه فقط، ويرى ثالث الآراء فلا تعجبه، والحقائق فلا يعترف بها، لكن أحداً لا يستطيع تغيير الحقيقة أو اسكات الرأي.

****
كل الإجرام في ثمانية أيام ضد غزة، بل والتّجلي الصهيوني في القتل، والبيوت التي سوّيت بالأرض وكست غزة بلون الرصاص، ويسمّيه البعض بكل رعونة “جيش الدفاع”، عن من يدافع؟! اسمه لمن لديهم شغف وطني “عصابات صهيونية” أو جيش احتلال صهيوني، ولو شاء أحد الوقوف على الحياد، رغم أنه لا حياد في الإعلام بل موضوعية، وقلّة هم الموضوعيون، فهو “الجيش الإسرائيلي”.

****
لا تملك العصابات الصهيونية عتاداً عسكرياً بل أسلحة فتّاكة، ولا إسرائيل دولة بل كيان، ولا باراك رئيس أركان بل مجرم حرب، ولا ما يرتكبه الكيان عقاب جماعي بل تنكيل انتقامي وعشوائي، لأن العقاب للمذنب والفلسطيني لم يقترف ذنباً، كما أن الذين تتعطّش الصهيونية لتصفيتهم مثل محمد الضيف ورائد العطار وغيرهم كثر، ليسوا مطلوبين وإنما مطاردين، فالمطلوب هو المجرم الفار من وجه العدالة، كما ذكر عارف حجاوي

****
يقول هنري كيسنجر “الجيش خاسر إن لم يربح الحرب، والمقاومة رابحة إن لم تخسر الحرب”، ثمّة فرق بين الربح والانتصار، وبين قولك، خسر العدو لهذا سعدت، وانتصرت المقاومة لهذا رقصت، وخرجت للشارع لأني نجوت، لكن اللغة في فلسطين مقاومة أيَّما قلت.

****
هل تبسّمت غزة بعد الحرب؟ كلّا كانت تطبّل وتأكل بقلاوة، هل حسّت بالوجع؟ ثمة وقت معها كي تحس، هل بالرقص والطبل تجاوزت الجريمة التي نفّذتها إسرائيل؟ بالطبع لا فالجريمة يسجلها التاريخ

****
طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر يقال له الشّهيد البطل، متى أصبح بطلاً؟ تُسعدك صفة البطولة لمقاتل على خط النار، ذهب وعاد بها، ويضطرب وجدانك، ولا تتناغم انفعالاتك حين يُحمّلوها لطفل كان غارقاً في النوم بعد شوط من الرضاعة.

****
إسرائيل لا تعتّم إعلامياً ولكنها تضلّل وتخدع، والخداع يحتاج إلى مهارة وأسلوب مثل الذي يملكه أفيخاي أدرعي.

****
168 ضحيّة في غزة بينهم 43 طفلاً، وأكثر من ألف جريح ومصاب بالشلل، وتدمير للبيوت، تلى ذلك احتفالات على امتداد القطاع، التفاصيل تلخّصها قصّة رجل فقد كلتا ساقيه من أجل هدفٍ نبيل، ثمّ خرج جاره يلعب الكرة أمامه، يسدد الهدف تلو الآخر، غزة تسلّط الضوء دائماً على الظلام في محاولةٍ نحو الأمل، فتراها بالضوء تقدّم شكلاً آخر لساديّة اعتادت عليها، لكن صورةً لرجلٍ طاعن في السن خرج من بيته بهدوء، قبّل جبين مقاومٍ وانصرف بهدوء، إنه يفكر في ثلاثة وأربعين طفلاً، وحملهم تسعة أشهر، وآلام مخاض أمهاتهم، إنه يفكر في قول الشاعر:
وسل الأرامل بعد فقد رجالها *** كيف الليالى تنقضى والمهجع
سلها عن الأطفال عند مبيتهم *** والطفل دوماً بالأبوه مولع

****
قد تكره أو تحب حماس أو أيّ فصيل آخر، ولكنّك في النهاية مع المقاومة، فلا تنسَ الانتقاد وتسديد ركلاتك الاحتجاجية، فليس الفصائل الفلسطينية ربانيّة، تمرّد أيها المواطن إلا على قيم الحب والحرية والمقاومة، فالطريق مليئ بالسياج، مقصاتكم دائماً وأولاً.

 

تنويه واجب: بيتا الشعر لسالم خضر البحيصي.

النشيد الوطني

22/10/2012

ناجي

كان لفلسطين نشيد هو “موطني” كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه اللبناني محمد فليفل في العام 1934، كتبه طوقان يوم أدرك واستبطن معنى المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، فقال:

الشباب لن يكل همه أن تستقل أو يبيد.
نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.

جاءت بعدها منظمة التحرير وأقرّت نشيد فدائي في السبعينات وصادقت عليه السلطة الوطنية حديثاً، فكان معنى الفداء أن يتم تسجيل الشباب في دورات شرطة، يقبضون رواتب شهرية من أميركا لحماية أمن إسرائيل، فتجلى هنا مفهوم العبيد الذي تكلم عنه طوقان.

يقول شاب ينتمي لحركة حماس أن النشيد الوطني الفلسطيني “فدائي” هو أحد إفرازات أوسلو وهو مشروع قديم حديث، فيتساءل آخر: ولماذا يقف إسماعيل هنية إحتراماً له، فيجاوب ثالث من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويبدو أنه من تيار آخر داخل حماس قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني لا يجوز، وهو منكر في الدين وليس من صفات المسلمين أن يقفوا لغير الله تعالى، واسماعيل هنية ليس قرآناً؟! ولو رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقه حتى تعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتدخل رابع قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني أمر لا علاقة له بالدين، وهو أمر بروتوكولي، لقد غاب الثالث قليلاً وعاد بفتوى للشيخ الألباني تحت عنوان التقاليد الأوروبية الكافرة والبدع المنكرة. انتهى

هكذا تتلخص قصة نشيد وطني قد يُترجم قضية تحرر وطني، فقد خضع لمعايير المؤلف طوقان الذي كان وطنياً قومياً مرة، ودوزان الملحن مرة أخرى وهو دوزان شعب بأكمله على وتر أوسلو، ثم البروتوكول، وآخيراً الفتوى التي لم أنقلها لطولها.

صفقتان مع إبليس

15/04/2012

الصفقة الأولى: حوار مع صيني يُدعى “ونهو”

ونهو: أنت مسلم؟
هو: نعم
ونهو: لدي سؤال.!
هو: تفضل
ونهو: أعيش مع ثلاثة مسلمين، أحدهم يُصلي ويشرب البيرة، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: الثاني يسمع القرآن ويدخّن الماريجوانا، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: الثالث يصوم ويقبّل الفتيات، هل هو مسلم؟
هو: نعم
ونهو: سأدخل الإسلام!

************

الصفقة الثانية: “فتوى مع التيار”

زوجته: هوّن عليك يا شيخ، لقد أمضيت وقتاً طويلاً داخل الغرفة دون حتى أن أراك
الشيخ: وردني سؤال حساس، أبحث عن إجابته
زوجته: لا ترهق نفسك كثيراً، واترك الأمر للصباح
الشيخ: لا أستطيع، فقد يخرج الجنين مشوهاً
زوجته: مشوّه ! لماذا؟!
الشيخ: اتركيني الآن
زوجته: أنا زوجتك
الشيخ: وأنا الشيخ “إبراهيم”
زوجته: بالله عليك. ما هذا السؤال؟!
الشيخ: إمرأة تطلب فتوى!
زوجته: حول ماذا؟
الشيخ: إنها حامل
زوجته: ماذا تسأل؟
الشيخ: عن جواز شربها للخمر
الزوجة: إنه حرام!
الشيخ: أعرف، لكنّها حامل
زوجته: حرامٌ أيضاً!
الشيخ: لكنّها تتوحم

“سكاكا” قصة قصيرة

06/04/2012

ثلاثة شُبان أصلهم من “سكاكا” كرهوا الحَر في تلك المدينة فقرروا السفر إلى بريطانيا، وصلوا.. في أول أيامهم، لا زالت ألسنتهم ثقيلة، لا يتقنون الإنجليزية تماماً، في اليوم الثالث كان الجو دافئاً، نزلوا إلى شارع هيثرو في قلب مدينة “ليدز” وقد تسربلوا بالجينز، يسأل أحدهم عجوزاً إنجليزياً يلبس قميص كاروهات وفي أذنه اليسرى حلق، يحمل غليوناً أسود، وتملأ رقبته الأوشام.

اقتربوا منه وأخذوا يتعازمون، أنت! لا أنت! اتّفقوا مَنْ سيفهم الكلام ومَنْ سيحفظ المكان.
“مسعود” يسأل: أين البار هنا ؟
العجوز: واااو، وير آر يو فروم ؟
أحدهم: هيهيهيهي فروم سعودي آريبيا!
العجوز: أوكي، ذس إز ذا بيست بار “تايجر تايجر”.
جميعهم: ثانك يو. ثانك يو.

يدفع “مسعود” أجرة ثلاث تذاكر، يشتري صديقه علبة بيرة، يفتحها في وسط البار ويقول: ما أفهم وش يقولون مع الموسيقى؟ لكنّه يبدأ الرقص، يحاول ثالثهم تفقد الكراسي الفضّية، ودوران أجهزة الإضاءة في السقف.

بعد ساعة ونصف من محاولة ضبط رقصهم الخليجي على إيقاع البوب، يثمل أحدهم فيقف في أحد الزوايا “مسطولاً”، بينما يتقدم “مسعود” خطوة فيهمهم لصديقه عن فتاة إنجليزية “قاصرة” تلبس الأزرق السماوي. نظراتها خاطفة لملامح وجوههم الشرقية.
لا زال الشاب “المسطول” في الزاوية يهز رأسه بحنيه مع عزف الجيتار، يراقبه صديقه ضاحكاً، أما “مسعود” فقد استقرّت يده اليمنى على كتف الفتاة قبل أن تتشردق فتبق الكحول على ملابسه، تضحك هي.. فيعتذر هو..!

في لحظة أصبح الثلاثة ترافقهم الفتاة في سيارة “بي أم دبليو” خارج “البار”، أحدهم يغلق سقف السيارة، وعلى إيقاع الطبلة الشرقية تهتزُ ستائر “الشبابيك” الخلفية، يُجهز “مسعود” حضنه لتلك القاصرة، إنها نائمة في السيارة، يحاول صديقه إيقاظها بعد وصولهم البيت.

نباحُ كلابٍ وزمجرةُ ضباعٍ في المنطقة، رغم أنها ليست الليلة الأولى التي يَجُر فيها ثلاثةُ فحولٍ من “سكاكا” فتاةً قاصرة تسكنُ مدينة “ليدز”.

أقبل الثلاثةُ عليها غير مدبرين، لم يستأذنوها في ليلتها، استعاروها رغماً عنها، حجز كلُ واحدٍ مكاناً فيها، احمرّت عيونهم واتسعت حدقاتها، كانت حركةُ جسمها مقيّدة ونشاطهم مستمر، فضّوا بكارتها ثم ألقوا بها في أحد الشوارع بعد ساعتين.
أفاقت من سكرتها وتوجّهت للشرطة، “شمّرت” لهم عن الأذى، قبلوا شكواها وبدأوا التحري والبحث. تمّ إلقاءُ القبض على الثلاثة في ذاتِ “البار” بعد أسبوع، أُحيلوا للتحقيق.

المحققة فتاةٌ تبلغ من العمر 28 عاماً تعترف للشبان بقلةِ حيائها، وتنوّه إلى معرفتها بعادات العرب وتقاليدهم، لاسيما أناقتهم في إحمرارِ الوجه سريعاً.
تبدأ بعرضِ الأدلة عليهم، وتشيرُ إلى احتمالِ تورطهم في استغلالِ فتاةٍ قاصرة، تبدأ السؤال عن أدقِ التفاصيل، يُجيب كلُ واحدٍ منهم على انفراد، ينتهي التحقيق، يذهبُ الجميع إلى “عنبر” السجن بانتظارِ ضابط التفتيش.

جاء الضابط “جيمس” يطرح سؤالاً واحداً فقط: هل تمّ التعامل معكم بشكل جيد خلال فترة التحقيق؟

يتململ الثلاثة وينظروا إلى بعضهم..! يُكمل “جيمس”: هااا، هل كان ينقصكم شيئ ؟

يتشجع “مسعود” قائلاً: لقد توضأنا لكنّهم لم يُحضروا لنا سجّادة الصلاة..!