هل كان ياسر عرفات ديكتاتوراً ؟!

11/04/2012

ينتهي الكفاح المسلح، يبدأ المحور التفاوضي الدبلوماسي، يتجاهل ياسر عرفات ضرورة توضيح التحول من حالة القتال إلى السلم الذي يسوق الشعب إليه، يلجأ إلى خطاب ذي نزعة إنسانية يدعو للتصالح مع إسرائيل، ويستمر في الإنفراد بالرؤية والقرار السياسي، فيعتقد البعض أن ذلك محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لبقائه السياسي، لكنه ينجح في الاستمرار، ويستطيع بلا منازع أن يؤسس لـ 20 عاماً من الفشل. كيف ذلك؟

يظهر ياسر عرفات في حفل تخريج فوج جديد من الضباط في قطاع غزة، يلقي كلمة فيمجد ويحيي العناصر المكونة للأمة الفلسطينية: أبطال النضال ضد إسرائيل “مسجونين وشهداء”، والمتدينين من إسلاميين ومسيحيين، فيحرص على ذكر اسم الشيخ أحمد ياسين، الشخصية التي تحظى بتقدير لدى الناس فيقول: “وأحيي الأسرى خلف القضبان، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين ونقول لهم إن حريتهم باتت وشيكة”، ويتابع: “يا إخوتي يا أحبتي ويا أهلي، مزيداً مزيداً من هذا الصمود وأدعوكم للوحدة الوطنية، فهي شعارنا وهي قوتنا”. بعد أيام يخرج في حفل بمناسبة تحرير بيت لحم في 1995 فيقول: “أحيي كافة الشهداء وعلى رأسهم أبا جهاد أمير الشهداء”.

في مقر عرفات “منتدى الرئيس بغزة” يصفه أحد الضباط المقربين فيقول: “إنه كائن غريب يسهر حتى الرابعة فجراً فينام ليصحو عند الثامنة صباحاً”، في هذا الوقت القصير لا مجال للأحلام، لكن ياسر عرفات ومن دون كل الناس يحلم بحدود الدولة الفلسطينية التي ينوي بناءها “بالمسطرين” الذي كنّا نراه باستمرار في يده على شاشة تلفزيون فلسطين، فيطل على الجماهير في الصباح، لا يحلو له إلا أن يردد أسماء المدن والقرى الفلسطينية، دون أن ينسى القدس التي ستكون مدخل لشعار: “وليرفع شبل من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق أسوار ومأذن القدس وكنائس القدس”، والرسالة واضحة: “لن نتنازل عن شبر ولن نتخلى عن القدس”، يتغير حجم الرسالة فتصبح مؤخراً: “لن نعترف بإسرائيل”.

يطيب للجماهير أن تُردد على مسامعهم الكلمات المشحونة بالعواطف، فيهيج الفلسطينيون على وقع تلك الانتصارات الرمزية، يبتسم ياسر عرفات لهم، فيبدأوا وبصوت واحد: “عالقدس رايحين شهداء بالملايين”. يعود عرفات ليستعين بالرموز التي يعرف أن مضمونها يؤثر على كل فلسطيني، فهي تخدم عملية تعبئة الجموع، وتفيد في بث الولاء له والسلطة الوطنية معاً.

يوم الجمعة، يؤدي عرفات الصلاة في المسجد، يأتي الخطيب على ذكر حمامة السلام، يثير حفيظة عرفات، فيقرر الظهور على شاشة التلفاز في أي لقاء تلفزيوني مع مراسل ينتظره خارج المسجد، فيكرر في كلامه “الله أكبر، الله أكبر، ومعاً وسوياً وجنباً إلى جنب حتى القدس حتى القدس”، يلهب أبو عمار حماس النسوة والأطفال في البيوت، ويواصل استثارة الرغبات الوطنية وسط الرعية، ويلعب على المفارقة والتفاوت الصارخ بين الخطب والأهداف.
لا يشرح أبو عمار شيئاً عن أفق وماهية مشروعه السلمي، ولكنه يقنع الجميع بأنه كل شيئ وأي شيئ. يتلقّى عرفات اتصالاً من كونداليزا رايس، ينتهي بالموافقة على مقترحاتها، يلبس الكوفيه ويأمر بإقامة فعاليّة وطنية فورية، يطل على الناس مستهلاً: “يا شعب الجبارين، أنتم هنا تمثلون هذا الجبروت، هذا الشعب الصامد في أرض الرباط دفاعاً عن المقدسات الإسلامية والمسيحية”. يحاول عرفات إكمال الخطاب فيبدأ التصفير والهتاف: “بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار” يصحح لهم قائلاً: “يا فلسطين.. نفديك يا فلسطين”، تنتهي الفعالية، يعود أحد الشباب إلى بيته بحذاءٍ مقطوع وآخر يبحث عن هويته التي ضاعت في “الميمعة”. فداك يا أبو عمار.

1996 موعد الإنتخابات التشريعية والرئاسية، يفرض ياسر عرفات قوائم المرشحين على الجماهير في قطاع غزة، ويخرج بعدها في مهرجان ليقول: “معا وسوياً ﺣﺗﻰ إﻗﺎﻣﺔ الدولة الفلسطينية اﻟﻣﺳﺗﻘﻠﺔ وﻋﺎﺻﻣﺗﮭﺎ اﻟﻘدس اﻟﺷرﯾف، وإللي مش عاجبه يشرب من البحر الميت، ويا جبل ما يهزك ريح”، يعود ليتذكر مشروع الحل السلمي، فيختار شعارات للحملة الإنتخابية مثل: “نعم للعدل والديمقراطية” و “لا للبطالة”، على اعتبار أن الشعب الفلسطيني كله موظف سلطة وطنية، تنتهي الإنتخابات بفوز 100% إلا قليلاً لعرفات ومرشحيه.

تُنظم وزارة الثقافة يوماً لإحياء التراث الفلسطيني وتدعو ياسر عرفات، فيلبي الدعوة، يصل المكان، يفتتح المعرض فيقص الشريط، يُقبل يد الطفلة الصغيرة التي تلبس الثوب المطرز، يتجول فيه، يصل زاوية الموسيقى، يتناول عرفات طرف الكوفية ويبدأ الرقص والدبكة، يَلعن عرفات القومية النضالية ويكتفي بوطنية فلكلورية يدفع الناس بإتجاهها، فيدخل الجميع حلبة الرقص ليشارك أبو عمار، يُنهي جولته بمؤتمر صحفي قائلاً: “هذا الشعب سيدافع عن أرض العروبة من المحيط إلى الخليج، سيدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعن الأحرار والشرفاء”.

يغادر ياسر عرفات متوجهاً إلى جنوب إفريقيا 1994، يزور أحد المساجد، فيلقي كلمة قائلاً: “فمعركتنا الأساسية هي القدس، تعالوا لتصلوا في القدس، تعالوا لتساعدونا في الجهاد من أجل تحرير عاصمتنا التاريخية”، يثير هذا التملص الشفوي رد فعل إسرائيلي ساخط، ينكشف عجز عرفات وإنتقاله تدريجياً إلى عالم الأحلام، يبقى على هذا المنوال يعيش على طمأنة الجمهور والتستر على ضعفه، فيرمي كل شهر خطاباً حماسياً في الخارج، لا لشيئ سوى للتأكيد على وظيفته كممثل وحيد للشعب الفلسطيني.

يحين تاريخ 1-1 من كل عام، موعد إنطلاقة حركة فتح، تنتشر الجماهير في الشوارع، يطل ياسر عرفات على الناس من سقف سيارة يلفها الحراس في موكب طوله 2 كيلو، يهرول الناس بجانب سيارته آملين منه قبله “على الطاير”، يصل موقع المهرجان فيعلو الصفير والصراخ، يعتلي عرفات المنصة مهمته هذه المرة خطاب جماهيري جديد، وظيفته التنفيس والتعبير عن رغبات المستمعين المكبوتة، يبدأ ملوحاً بيده، مشيراً بعلامة النصر، تهتف الجماهير لأكثر من 5 دقائق، يتناول عرفات السماعة فيقول: “يا أهلي يا إخوتي، يا أحبتي، في مخيم جباليا، في بيت لاهيا، في تل الزعتر، ومن رفح جراد إلى جنين جراد”، فترد الجماهير: “بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار”، ينتهي الخطاب يذهب عرفات إلى مكتبه، يستريح قليلاً، يدخل محمد رشيد حاملاً كماً هائلاً من الرسائل الموجهة لعرفات، مجملها طلب مساعدات مالية، يفتحها عرفات، يجد أنها رسائل غير مفيدة، أحدها لمستخدم مدني في قسم الأمن بالقوة الـ 17.. يطرد عرفات الجميع خارج الغرفة، يبتسم ويوقع كافة الرسائل والشيكات، ليتأكد من ولاء الناس له، وقبولهم بنظام السلطة.. يتذكر الناس عرفات سابقاً وحالياً فيقولون: “رحم الله أيام أبو عمار إذا ما قدمت له شيك وقعه على الفور”، وتعتقد الجماهير أن أبو عمار “الأب الحنون” يدفع من “جيبته” أو من صندوق العائلة، ولا تريد الناس إدراك أن ذلك جزء من مشروع أوسلو الكبير.

يحج زبانية ياسر عرفات حول مكتبه إذا أرادوا الإستمرار في شغل وظيفة مدفوعة الأجر في صفوف حركة فتح أو أجهزة السلطة، والإبقاء على فرص تتاح لمستقبلها السياسي. سامي أبو سمهدانة رومانسي ثوري في حركة فتح، يسابق الريح بساريته الـ بي. أم. دبليو السوداء أو المرسيدس البيضاء حسب فصول السنة، يجد مشقة في تحديد موقعة على رقعة الشطرنج السياسي، يصل عرفات إلى غزة عام 1994، يذهب أبو سمهدانة لمقابلته فيقول له ما يجول بخاطره، أي أن لسامي رأي أيضاً، تثور أعصاب عرفات فيودعه في الزنزانة، يفرجوا عنه بعد ساعتين، يقول له عرفات أنه أساء الفهم ليس أكثر، يفهم أبو سمهدانة الرسالة: “لا يوجد هنا سوى رئيس واحد هو ياسر عرفات”. تمر الشهور فيحصل أبو سمهدانة على منصب مسئول في صفوف القوة 17، يُسأل سامي عن سبب انظمامه لهذه القوة، فيذكر ثلاثة أسباب أحدها: “تلك طريقة لكي أكسب قوتي”.

يقرر عرفات الخروج من دوامة المكتب، وتوزيع الأموال، واتصالات رجال العشائر والإصلاح، يجهز نفسه للحديث على الهواء مباشرة، يضع كل النياشين على صدره، يبدو حوله عدد من المستشارين ينظر إليهم مرّة، وإلى شاشة التلفزيون مرة أخرى، تبدأ الإعلامية ماريا معلوف الحوار معه قائلة” “فخامة الرئيس اسمح لي في بداية اللقاء أن أخاطبك بلقبك التاريخي، التقليد الفلسطيني المحبب وهو “أبوعمار” فيبتسم أبو عمار ويقول: “وأنا يسعدني أن تقولي لي ذلك”، يستمر الحوار فتسأل معلوف: ماذا أخذ الرئيس عرفات من اتفاقية أوسلو وصولاً إلى خارطة الطريق، وهل تم التنسيق مع الإنتفاضة خلال محادثاتكم السرية في أوسلو؟ يرد عرفات: “إنتي بتتوقعي الشعب الفلسطيني بدون قيادة، انتي شو مالك علينا، ومين دافعك علينا.. إصحي إصحي، إنتي بتكلمي ياسر عرفات، قائد الشعب الفلسطيني، والنائب الدائم للدول الإسلامية ودول عدم الإنحياز، انتي بتكلمي اللي صمد في أكبر حرب عربية في بيروت، ويقرر عرفات بعدها انهاء المقابلة”.

تغتال إسرائيل عشرات الفلسطينيين في المنفى والداخل الفلسطيني، ويظل ياسر عرفات يتمنى الشهادة لأكثر من 40 عاماً فيقول: “اللهم يا رب الكون أطعمني أن أكون شهيدا من شهدائكم”. ولكنه يموت عن عمر يناهز 75 عاماً في ظروف لا تزال غامضة ولن يعرفها أحد طالما لم يستطع الفلسطينيون الكشف عن قتلة رسام الكاريكاتير ناجي العلي، كما أن ياسر عرفات مات، ولا زال الجميع يتذكر بعض كلماته: “لقد جئتم بغصن الزيتون في يدي وبندقية الثائر في يدي، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”. منذ ذلك الخطاب تم اقتلاع شجر الزيتون، فلم يحالف عرفات الحظ كي يمسك حتى غصناً واحداً بكف يده، فقد أراحته إسرائيل بخلع الشجر كله منذ أن سمعت خطابه هذا.

“سكاكا” قصة قصيرة

06/04/2012

ثلاثة شُبان أصلهم من “سكاكا” كرهوا الحَر في تلك المدينة فقرروا السفر إلى بريطانيا، وصلوا.. في أول أيامهم، لا زالت ألسنتهم ثقيلة، لا يتقنون الإنجليزية تماماً، في اليوم الثالث كان الجو دافئاً، نزلوا إلى شارع هيثرو في قلب مدينة “ليدز” وقد تسربلوا بالجينز، يسأل أحدهم عجوزاً إنجليزياً يلبس قميص كاروهات وفي أذنه اليسرى حلق، يحمل غليوناً أسود، وتملأ رقبته الأوشام.

اقتربوا منه وأخذوا يتعازمون، أنت! لا أنت! اتّفقوا مَنْ سيفهم الكلام ومَنْ سيحفظ المكان.
“مسعود” يسأل: أين البار هنا ؟
العجوز: واااو، وير آر يو فروم ؟
أحدهم: هيهيهيهي فروم سعودي آريبيا!
العجوز: أوكي، ذس إز ذا بيست بار “تايجر تايجر”.
جميعهم: ثانك يو. ثانك يو.

يدفع “مسعود” أجرة ثلاث تذاكر، يشتري صديقه علبة بيرة، يفتحها في وسط البار ويقول: ما أفهم وش يقولون مع الموسيقى؟ لكنّه يبدأ الرقص، يحاول ثالثهم تفقد الكراسي الفضّية، ودوران أجهزة الإضاءة في السقف.

بعد ساعة ونصف من محاولة ضبط رقصهم الخليجي على إيقاع البوب، يثمل أحدهم فيقف في أحد الزوايا “مسطولاً”، بينما يتقدم “مسعود” خطوة فيهمهم لصديقه عن فتاة إنجليزية “قاصرة” تلبس الأزرق السماوي. نظراتها خاطفة لملامح وجوههم الشرقية.
لا زال الشاب “المسطول” في الزاوية يهز رأسه بحنيه مع عزف الجيتار، يراقبه صديقه ضاحكاً، أما “مسعود” فقد استقرّت يده اليمنى على كتف الفتاة قبل أن تتشردق فتبق الكحول على ملابسه، تضحك هي.. فيعتذر هو..!

في لحظة أصبح الثلاثة ترافقهم الفتاة في سيارة “بي أم دبليو” خارج “البار”، أحدهم يغلق سقف السيارة، وعلى إيقاع الطبلة الشرقية تهتزُ ستائر “الشبابيك” الخلفية، يُجهز “مسعود” حضنه لتلك القاصرة، إنها نائمة في السيارة، يحاول صديقه إيقاظها بعد وصولهم البيت.

نباحُ كلابٍ وزمجرةُ ضباعٍ في المنطقة، رغم أنها ليست الليلة الأولى التي يَجُر فيها ثلاثةُ فحولٍ من “سكاكا” فتاةً قاصرة تسكنُ مدينة “ليدز”.

أقبل الثلاثةُ عليها غير مدبرين، لم يستأذنوها في ليلتها، استعاروها رغماً عنها، حجز كلُ واحدٍ مكاناً فيها، احمرّت عيونهم واتسعت حدقاتها، كانت حركةُ جسمها مقيّدة ونشاطهم مستمر، فضّوا بكارتها ثم ألقوا بها في أحد الشوارع بعد ساعتين.
أفاقت من سكرتها وتوجّهت للشرطة، “شمّرت” لهم عن الأذى، قبلوا شكواها وبدأوا التحري والبحث. تمّ إلقاءُ القبض على الثلاثة في ذاتِ “البار” بعد أسبوع، أُحيلوا للتحقيق.

المحققة فتاةٌ تبلغ من العمر 28 عاماً تعترف للشبان بقلةِ حيائها، وتنوّه إلى معرفتها بعادات العرب وتقاليدهم، لاسيما أناقتهم في إحمرارِ الوجه سريعاً.
تبدأ بعرضِ الأدلة عليهم، وتشيرُ إلى احتمالِ تورطهم في استغلالِ فتاةٍ قاصرة، تبدأ السؤال عن أدقِ التفاصيل، يُجيب كلُ واحدٍ منهم على انفراد، ينتهي التحقيق، يذهبُ الجميع إلى “عنبر” السجن بانتظارِ ضابط التفتيش.

جاء الضابط “جيمس” يطرح سؤالاً واحداً فقط: هل تمّ التعامل معكم بشكل جيد خلال فترة التحقيق؟

يتململ الثلاثة وينظروا إلى بعضهم..! يُكمل “جيمس”: هااا، هل كان ينقصكم شيئ ؟

يتشجع “مسعود” قائلاً: لقد توضأنا لكنّهم لم يُحضروا لنا سجّادة الصلاة..!

 

أبو شوكت “قصة قصيرة”

14/08/2010

كان هناك رجل يدعى أبو سليم يملك ثروة طائلة، مات الرجل، وكأي مواطن، دفنوه في المقبرة، وبالطبع لن يكون الدفن على القمر ولا المريخ، حتى لو كان الميت يملك تريليون دولار حتماً سيدفن في مقبرة مهما كان شكل قبره صخرياً أم رملياً. أثناء الدفن شاء أن يكون قبره بجوار قبر مواطن عادي جداً يدعى سويلم، كان هذا سويلم من أفقر الناس، ولم يكن معه فلساً واحداً، وأظن أنه مات جوعاً. خلال دفن أبو سليم كان من بين المشيعين شخص يدعى أبو شوكت، ذهب بالقرب من القبر، وابتسم أبو شوكت فجأة، ولكنه سرعان ما أخفى ابتسامته، ولكنه قال بصوت منخفض، لو أنك يا سويلم تعلم أن أبو سليم بكل أمواله الطائلة سيدفن بجوارك، لما توفيت أصلاً، بل لبقيت حياً تروي لنا الحكاية!

قصة قصيرة “ورق الخبيزة”

28/09/2009

تأتي إلى بيتنا، لا أعرفها ولم أراها من قبل، وحتى عندما تأتي إلى البيت لا أتجرأ أن أنظر إلى عينيها ليس لأني أخشاها ولكني أخجل منها. هي امرأة ملابسها باهتة اللون، تحمل أشتالاً من ورق الخبيزة، وسلة مليئة بحاجيات لا أعرف ما هي بالضبط. أصغيت إلى حديثها مع والدتي في بيتنا. لقد أثارت داخلي فضولاً لا حد له ورغبة في معرفة كل شيء. ولكني كنت أخشى أن تسكن قصتها في نفسي ولا أنساها.
ذات مرة حيث كنت أجلس في بيت جدي. سمعت ذات الصوت، فأدركت أنه صوتها وهي تسرد قصة ابنتها التي كانت تجمع الحطب وتتمنى أن تموت بصاروخ إسرائيلي على أن تعيش الحياة البائسة.
تسللتُ إلى إحدى الغرف وأغلقت الباب إلا قليلا، وأمعنت النظر فيها من النصف المفتوح من الباب، فهي المرأة التي تميزت ملامحها بالشقاء. وارتسم على جبينها قليل من الأمل.
طَلبت كوباً من الماء فأحضره الأطفال لها، شربت وارتوت ثم استأذنت. بمجرد خروجها من المنزل سألت والدتي عن قصتها وتفاصيلها. فقالت أمي: في يوم من الأيام وأنا أتجول في أحد فصول المدرسة استوقفتني طالبة بريئة تتساقط دموعها بدون أي سبب، وتبكي بكاءا قاتماً، فأخذتها خارج الفصل وسألتها، لماذا تبكي؟ فقالت: لقد جمعت كيساً من نبات الخبيزة كي أبيعه للناس ولكن لم يشتريه أحد وقد أعود إلى البيت سيراً على الأقدام إذا لم يشتري أحد هذا الكيس.
أعطتها أمي ما يكفيها من نقود كي تعود إلى البيت وأخذت منها كيس الخبيزة وقد حدث ذلك على مدار شهر كامل، ولكن لم تستطع أمي الصمت على حكاية ههذه العائلة، فما كان منها إلا أن أمسكت بالطالبة الطفلة وسألتها على انفراد، من هو معيل الأسرة وأين والديك ومن الذي يدفعك إلى جمع أوراق الخبيزة لبيعها؟! بدأت الطالبة تروي القصة، فقالت: كنا نسكن مع والدي وأمي وأخوتي التسعة في كراج صغير تحت عمارة تتكون من طابقين، ويسكن في الطابق الأول والثاني أعمامي وأبنائهم، أما والدي فقد كان عاملاً في إسرائيل، حيث كان يدفع إيجار الكراج على شكل أقساط شهرية إلى عمي في الطابق الأول ولكن بعد أن توقف العمل داخل إسرائيل أصبح والدي عاطلاً عن العمل وبالتالي توقف عن دفع إيجار الكراج لعمي، لكن عمي كان جشعاً عنيفاً وطالبه مرارا وتكرارا بدفع إيجار الكراج، مع العلم أن ظروف والدي كانت سيئة للغاية، لكن عمي كان رجل مال وآعمال ولا يهمه شيئ.
ذات يوم ضاقت الدنيا بوالدي بعد أن طلب منه عمي تسديد ما عليه من مستحقات إيجار الكراج، فما كان من أبي إلا أن ترك البيت دون أن يبلغنا أين سيذهب، ولم يعد حتى هذه اللحظة وقد اختفت آثاره منذ ذلك الحين.